هل تعرف مريضاً لم يجد سريراً وهو بأمس الحاجة إليه؟! وهل تعرف مريضاً احتاج إلى غسيل للكلى وعانى الأمرّين ليجد موعداً؟! هل تعرف مرضى القلب الذين يرهقهم البحث عن علاج أو عن دواء؟! طبعاً كلنا نعرف مثل تلك النماذج. أصبحت الحاجة الطبية ملحة. غير أن فكرة "التبرع بمستشفى" لم تنجح لدينا كثيراً. زرتُ مستشفى في نيويورك هو من أهم المستشفيات هناك. جناحه الجديد وهو مبنى حديث متكامل، تبرع به فاعل خير، وضعت صورته وزوجته على المدخل. غرف المستشفى؛ كل غرفة مهرت باسم من تبرع بها. بعض غرف الأشعة أو الإفاقة أو الفحص، مهرت كلها بأسماء رجال وسيدات تبرعوا بها. المستشفى يكفل نفسه من خلال المتطوعين والمتبرعين. وجودته ترجع إلى حب أولئك المتبرعين لمجتمعهم إنفاقاً، بكل أنواع الإنفاق!

كل عمل تطوعي لابد أن يتوفر عليه شرطان في نظري، أولهما: أن يكون المجتمع محتاجاً إليه، والثاني: أن يُحب المتبرّع ما تبرّع به، والله تعالى يقول: "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون". والإنفاق مما نحب دليل زكاء النفس وقوتها وكرمها.

سأعقد مقارنة هنا، وأستبق المتربّصين لأقول أن لا أحد يزايد على أحد بالدين، والمساجد هي بيوت الله وفضل بنائها عظيم، لكنني سأعقد مقارنة مدنيّة بحتة. في يوليو 2006 صرّح المدير العام لفرع وزارة الشؤون الاسلامية والاوقاف والدعوة والارشاد بمنطقة الرياض الشيخ عبدالله بن مفلح آل حامد أن عدد المساجد التي تم بناؤها على نفقة أهل الخير وصلت الى (450) مسجداً وجامعاً في مختلف أرجاء منطقة الرياض بمبلغ مالي تجاوز مليار ريال. مع أن الرياض لا تنقصها المساجد. بل إن الشؤون الإسلامية وضعت ضوابط لبناء المساجد من كثرتها وتحوّل بناؤها أحياناً إلى موضوع مزايدة وتفاخر. في جدة وحدها 1300 مسجد.

لم نجد يوماً مسلماً لم يجد مكاناً في المسجد ليصلي فيه، لكننا يومياً نسمع آهات المرضى وهم يبحثون عن سرير يؤويهم، لنكن شجعاناً ونتحدث عن مشكلة أصلية وهي أننا لا نعاني نقصاً في المساجد، مع أن الأرض وضعت لنا مسجداً وطهوراً كما في الحديث، حتى تجد مسجداً ضخماً لا يصلي فيه إلا صفٌ واحد وقد بلغت تكلفته ملايين.

قال أبو عبدالله غفر الله له: لو أعملنا مقاصد الشريعة حقيقة لاكتشفنا أن بناء المستشفى أولى دينياً ودنيوياً من بناء المساجد حالياً. الكل يجد مكاناً بل وأماكن في أي مسجد يزوره، ولكن الكثيرين من أبناء وبنات وطني لا يجدون الأسرة التي يتعالجون فيها. أعرف أن المستشفيات من وظيفة الدولة، ولا أبرئ أحداً بدعوتي هذه من التقصير في واجباته، لكننا في دولة ترعى المساجد والشؤون الدينية كما لا يفعل غيرها من دول العالم، ومع ذلك لم يمنعنا ذلك من إدراك حاجتنا الشخصية والمجتمعية للتبرع ببناء المساجد.

فلنطور قنواتنا التطوعية رجاء ولا نخف من التغيير والتطور في تنويع قنوات البذل والتبرع.