برزت الشائعات في الآونة الأخيرة -كأحد أهم المظاهر الاجتماعية التي بدأت تطفو على السطح بشكل متفاقم-، حيث ساعدت الوسائل التقنية المتعددة على إيجادها وانتشارها بشكل كبير جداً؛ فالمجتمع أصبح يصغي للشائعات التي تتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي بشكل لافت، بل تثار المواضيع المختلفة المتعلقة بالشائعة وكأنها حقيقة مسلم بها، وربما وجد من يتحدث عنها ويبدي آراءه الخاصة حولها ويطلب التعليق عليها، وهناك من يكتبها على شكل رسائل قصيرة ويختم الشائعة بعبارة "أنشر.. لتعم الفائدة.. أو لا تقف عندك".. فما الذي يدل عليه انتشار الشائعات والترويج إليها بهذا الشكل اللافت؟.

وسائل الإعلام الجديد تحولت إلى مسرح للمشككين والمحبطين دون أن يدرك بعض المشاركين منجزات مجتمعهم

إن الاهتمام بالشائعات وقبل ذلك إثارتها بطريقة تجعل منها سبيلاً لأحداث تتعلق بها؛ تكشف عن مدى وعي المجتمع بتناقله أخبارا غير حقيقية، كما أن المستفيدون منها يتنوعون بتنوع الأهداف؛ فهناك من يسعى لانتشار شائعة؛ لأنه يريد أن يصل لهدف شخصي خلف تمرير الشائعة، في حين وجد من يمرر الشائعة ويضع عليها توابلها لأنه يريد أن يمارس تنفيساً يعبّر عن شيء مكنون بداخله؛ كالرغبة في تعديل سلم رواتب الموظفين في قطاع ما؛ فيتم تمرير شائعة تحمل ذات الفكرة، في حين يبقى من يمرر الشائعة ويسهم في انتشارها جاهلاً بمدى أثرها؛ فيتحدّث عنها وتمريرها لأنه يرغب في صناعة حكاية من لا حكاية؛ لمجرد الأحاديث غير المفيدة والتي من شأنها أن تسهم في بث معلومات غير صحيحة، سواء عن أشخاص أو مؤسسات أو دول أو عن مطاعم أو "ماركات" أو عبارات أو قنوات أو برامج، وغيرها من الإشاعات التي أصبحت تعج فيها رسائل الهاتف الخلوي ومواقع التواصل الاجتماعي.. فمن المسؤول عن تمرير الإشاعة؟، وكيف من الممكن النهوض بفكر ووعي المجتمع حتى يستطيع أن يقف لدى الشائعة فلا يسهم في انتشارها؟، ومن المستفيد من انتشار إشاعة كاذبة؟.

مهمتنا أن نساير مظاهر التفوق لمجتمعنا وننتقد بحثاً عن التغيير للأفضل

أداة تحريك الشائعة

وترى "آمال الحديد" أن انتشار الشائعات زادت في الآونة الأخيرة؛ بسبب قرب المجتمع من قنوات تواصل أصبحت تقربهم ببعض؛ فالهدف من التواجد عبر هذه القنوات هو نقل وتبادل والتعليق على الأخبار، وربما ذلك ما دفع البعض لصنع الإثارة التي تأتي من خبر مفبرك وكاذب تدور حوله الشائعات لأهداف كثيرة، مشيرة إلى أن رواجها بين عامة الناس يعود إلى طبيعة المجتمع (الحكواتي) الذي يحب أن يسمع الأخبار المثيرة والجديدة والتي يعتقد بأنها ما انتشرت إلاّ لأنها تحمل شيئاً من الصحة. وقالت:"انتقد البعض في تعاطيهم مع الشائعات؛ فبدل السكوت عنها وتجاهلها يتم نشرها والإسهام في تمديدها ووضع البهارات عليها؛ حتى تصل إلى الفرن المجتمعي الذي يقوم بإعداد الشائعة كوجبة دسمة للجمهور، والذي قد يتسمم البعض من تصديقها في حين يبقى البعض في موقف المترقب لحدوث جديدٍ فيها"، مبينه أن الإنسان عليه مهمة كبيرة تجاه مثل هذه الشائعات حتى لا يكون فريسة سهلة تحركه أهداف من أثار الشائعات فيقع في ذنب تحمل وزر أخبار غير حقيقية، خاصة حينما تثار على بعض الشخصيات فإن الحديث عن أعراض الناس من أكثر الأمور الصعبة التي تخالف الإنسانية، ولذلك على المرء أن يترفع عنها وأن يمثّل الإسلام شكلاً ومضموناً.

د. أبوبكر: الشائعة تنتشر حين تغيب مصادر المعلومات عن الجمهور..

إثارة البلبلة

وانتقدت "شهد عبدالعزيز" بعض فئات المجتمع التي تسهم في إشعال الشائعة بشكل مخيف؛ فتحاول إثارة البلبلة حولها والزيادة عليها وتحويلها إلى قضية تثار حولها الاستفهامات، والتشكيك والإجابات؛ فالمجتمع يحتاج للكثير من الوعي حتى يستطيع أن يتغلب على انتشار الشائعات وحب شيوعها بين الناس، فالمشكلة أن الشائعة تنطلق من فرد يحاول نشر أكذوبة، إلاّ أن بعض أفراد المجتمع يتقبل تلك الأكذوبة ويصدقها لتتحول إلى قضية تنتقل عبر قنوات التواصل، ومن المستغرب أن من يشارك في النقل والحديث عن تلك الشائعات ليس فقط عامة الناس؛ فهناك من النخبة من يتحدث بها دون دليل ودون تأكد من صحتها.


البعض يثير مواضيع تتعلق بالإشاعة وكأنها حقيقة مسلم بها

وقالت:"اتخاذ موقف جماعي من قبل المجتمع أصبح ضرورة، وذلك بأسلوب واعٍ ومتحضّر في التعاطي مع الشائعات بعدم الإسهام في نشرها، خاصة تلك الأخبار التي تنقل عن بعض الشركات أو "الماركات" أو المحلات التجارية، حيث يتم نقل أخبار عنها دون تصريح موقع رسمي بذلك، فهناك من يهمه أن تخسر مثل تلك القطاعات وهناك من ينافس، ولكنها منافسة سوداء غير نزيهة تريد أن تدمر الطرف الأقوى لصالح الضعف الذي لا يستطيع أن يتغلب عليه في ذاته"، مشيرة إلى أن من يسهم في نقل الشائعات فإنه ضعيف ليس فقط على المستوى الإرادي بل كذلك على المستوى الإيماني.


التعرض إلى سمعة الأشخاص كشف عن عورة المندسين واحتقان بعضهم

الشائعة والسمعة

ولا تقف "العنود محمد" عند الشائعات التي تهم الرأي العام أو التي تتناقل عبر قنوات التواصل الاجتماعي، بل ترى أن هناك إشاعات أكثر خطورة من تلك، وهي التي لابد أن يعزز المجتمع بوعي للتعاطي معها بشكل حضاري وإنساني، تلك الشائعات هي الشائعة التي تمس سمعة إنسان أو أسرة، فهناك من الناس من يحاول أن يسيء إلى سمعة زميله في العمل أو ناجح غاظه تميزه، أو متميز أثار الغيرة بتميزه؛ فيحاول أن يشوه سمعته بإثارة الأخبار السيئة عنه، أو عن توجهاته وفكره أو عن سلوكياته؛ فالشائعة وسيلة الضعيف للفتك بالخصم العنيد، خاصة حينما يكون هذا الإنسان قد استنفد جميع السبل للنيل من هذا الإنسان فلم يجد سوى الشائعة كوسيلة رخيصة لتدمير سمعته.

وقالت إن دور المؤسسات الدينية ورجال الفكر والإرشاد الاجتماعي كبير في محاولة تثقيف وتوعية المجتمع بطرق التعاطي مع الإشاعة والتقليل من انتشارها؛ حتى إن كانت صحيحة، فالإسلام أمر بالستر مع من يصدق عليه الخبر والحالة، فكيف بمن ظهرت عليه إشاعة تحمل أكذوبة ستنهش في سمعته وتسيء إليه وإلى أفراد أسرته؟، فلابد أن يكون هناك تكثيف كبير لمحاربة الشائعة يسهم فيها جميع أفراد المجتمع، وأن يكون للمثقفين ولرجال الأعمال وللطبقة العاملة وللتربويين وللمدارس والمساجد دور في محاربها وتبصير الناس بمخاطرها وآثارها غير المحمودة على الفرد والمجتمع. وأشارت إلى أن ما يحدث للأسف يدعو إلى الخجل فبعض المتعلمين الذين يطلق عليهم بأنهم من أفراد المجتمع الواعين يصدقون بعض تلك الإشاعات، ويحاولون مناقشتها في مجالسهم وكأنها حقيقة مسلم بها، وحينما يتم السؤال عن مصدر الخبر منه يجيب أن المصدر رسالة وصلته عبر وسائل التواصل التقني أو من خلال صديق .. دون أن يعي بأنه يسهم في انتشار شائعة قد تؤذي الغير، وربما يأتي اليوم الذي تخرج عنه إشاعة يصدقها الناس فتؤذيه وهنا المسؤولية كبيرة في فهم الوسائل الجيدة في تلقي الشائعة وفي طرق التعاطي معها.


الأجهزة الحديثة زادت من سرعة انتشار الشائعات

قنوات رسمية

أما "منى عطا الله" فدعت إلى أن يكون هناك قنوات رسمية تتبع الشائعات والأخبار التي تطلق عبر قنوات التواصل؛ مهمتها التوضيح والرد والتكذيب أو التصديق لمثل تلك الأخبار مع وضع بعض الضوابط والغرامات على من يطلق الشائعات المكذوبة التي تهدف إلى الإساءة لسمعة الغير، أو بعض القطاعات حتى يستشعر أفراد المجتمع بأن هناك خطوات رسمية تتابع محاولته لنشر شائعات لم يتأكد من صحتها، مشيرة إلى أنه لا يوجد حتى الآن طرق رسمية جادة لمنع الإشاعة فحتى من يتحدث بكذب على شخص ويثير حوله الشائعات فإنه يبقى دون عقاب حتى يشاكيه المتضرر، فلابد أن يستشعر المواطن وجود النظام الذي يحدد له ما يجب أن يفعله في حالة إثارة الشائعات.


لا توجه أصبع الاتهام قبل التأكد مما سمعت

مصادر الشائعات

ويرى "د.أبو بكر باقادر" -المختص في علم الاجتماع- أن الشائعات تروج في مافيه غموض أو ما لا تتوفر فيه معلومات رسمية، ولذلك فكثيرا ما يقال "الغامض يفتح باب التأويل"؛ فالمجتمعات التي مؤسساتها الرسمية هي المبادرة لتقديم المعلومات بشكل دقيق ومفصل عادة ما تقطع الطريق على الشائعات سواء كانت كوسيلة لتلمس أخبار لم تصل أو لم تظهر على السطح، أو كوسيلة للترويج إما أمر نفسي أو لترويج تحسين موقف لجماعة ضد أخرى، أو نقد مجموعة أو اتهام مجموعة مؤثرة في المجتمع، مشيراً إلى أن الشائعات لا تأتي إلاّ لوجود نقص واضح في مصادر المعلومات التي تهم الجمهور أو الناس في حياتهم العامة أو الخاصة فبطبيعة الحال توجد منطقة مشكوك فيها وهي ما يتعلق بالأخبار الطلاسمية المتعلقة بالنجوم سواء كانوا سياسيين أو فنانين أو مشاهير، وهذه جزء منها هو الذي أدى إلى ظهور الصحافة الصفراء الذين يتابعون جمع المعلومات على المشاهير بشكل غير صحيح، وهي الأخبار التي تعجز المصادر الرسمية عن تتبعها.

وأشار إلى أن الشائعة لا تروج إلا في المجتمعات التي لا يعود أهلها إلى مصدر رسمي دقيق يمكن الوثوق به والاعتماد عليه، والتأكيد على مبادرته قبل أي مصدر آخر، موضحاً أن مروجي الشائعات يروجون لانتشارها إما لغرض التنفيس أو التشكيك أو لإثارة البلبلة أو لحرب نفسية، أو يعطى إستباقية بحيث تشكل نوعاًِ من الضغط الجماعي على متخذي القرار، بحيث أن الناس تريد هذا القرار فتثير الشائعات كوسيلة للضغط على الرأي العام حتى تصل لما تريده.