كثيراً ما نلاحظ في الفترة الأخيرة تنازل بعضهم عن حقوقهم سواء وصلت قضاياهم إلى المحاكم أم لم تصل؛ بسبب تدخل أشخاص آخرين عن طريق "الجاه" أو "الواسطة"، وبأسلوب "الصلح خير"!، إلاّ أنه ومهما كانت الأسباب يجب أن لا تُهضم الحقوق، وهنا يبرز السؤال: "من يُعوّض الشخص المُتنازل"؟.

ويرى كثير أن تفشي التنازل عن الحقوق قد ينتج عنه بعض الخلل في نظام المجتمع ولو بعد حين؛ نتيجة فشل أو عدم اكتمال النموذج الحقوقي، بحيث إن من يرتكب الخطأ سيجد نفسه أمام الصلح والاعتذار، وقد يُكررها مرةً ثانية وثالثة وهكذا، الأمر الذي يُحتم توعية المجتمع بالحقوق الشخصية، وكذلك على عدم التسامح مع بعض الأشخاص الذين لا ينفع معهم الصلح والعفو، كما أنه من المهم خاصة لدى الأُسر والمدارس، إبراز ثقافة الحقوق لدى الأطفال، وكذلك إيضاح حقوق الآخرين وحرمات الناس، وأن بعض القضايا لا يمكن التساهل معها في العقوبة.

نحتاج إلى توعية المجتمع بحقوق الآخرين وليس كل قضية يمكن التنازل عنها من دون عقاب

وأكد قانونيون وخبراء أكاديميون عدم جواز إجبار المواطن على التنازل عن حقه الشخصي في قضية هي من الحقوق الأساسية، التي لا يجوز التصرف أو التدخل بها.

"الرياض" تطرح الموضوع وتلتقي المواطنين والمختصين، فكان هذا التحقيق.

خلل في المجتمع

في البداية قال المواطن "فهيد المري": أنا مع إعطاء الحق لأصحابه، مضيفاً أنه يجب التشديد على الحقوق الخاصة، أما العامة فالدولة كفيلة بمتابعتها، مبيناً أن تفشي التنازل عن الحقوق سينتج عنه خلل في المجتمع ولو بعد حين؛ نتيجة فشل أو عدم اكتمال النموذج الحقوقي.


المحاكم تشهد قضايا شخصية يحسمها الآخرون بإقامة الصلح

وأصرَّ المواطن "سالم السمحان" على أن كثيرا من المواطنين لا يعرفون حقوقهم، ما يجعلهم يتنازلون عن بعضها، بل ويقبلون بالشفاعة أو التدخل من طرف ثالث؛ لأن القضايا في المحاكم تأخذ وقتاً طويلاً، مشيراً إلى أنه لن يتنازل عن حق خاص مادام الحق معه.

وأوضح "حمود بن فرحان الخالدي" - مستشار ومحام - أن شرع الله ابتدأ الصلح بين المتخاصمين، مع إزالة الشقاق بينهما؛ لإن في ذلك صفاءً للنفوس، وزوالاً للأحقاد، كما أن ذلك يُعد من أعظم الطاعات، مضيفاً أنه في الحقوق الشخصية الخاصة يمكن للإنسان أن يتنازل عنها ما دام أن تبعات التنازل لن تطال غيره، مؤكداً أنه لا يحق أن يتنازل عما لا يملكه، أو إذا كان في تنازله ما سيزيد الظالم فى طغيانه واستبداده.


د. يوسف الخاطر

أعراف وعادات

وذكر "الخالدي" أن نظام الإجراءات الجزائية اعتنى بمنع التصرف أو التنازل عن الدعوى الجزائية العامة؛ لأنها دعاوى عامة لا يمكن التنازل عنها، ولأنها تمس المجتمع ككل، مضيفاً أن النظام كفل الحق لصاحب الدعوى الخاصة أياً كان نوعها بالتنازل عنها، مبيناً أنه إذا تحركت الدعوى العامة وتمت مباشرتها في مرحلة التحقيق أو المحاكمة، يحق للمدعي التنازل عن الحق الخاص له في الدعوى فقط، بينما الحق العام لا يمكن التنازل عنه، مشيراً إلى أنه في الفترة الأخيرة مال كثير من أصحاب الحقوق للتنازل عنها؛ بسبب عدم أخذ الحق وفق الفترة الزمنية المعقولة، إضافةً إلى وجود الجانب القبلي للضغط عليه في التنازل وفق الأعراف والعادات المجتمعية، ذاكراً أن صاحب الحق في حيرة من أمره لوجود إشكالية إنصافه إن وجد، ومن مأثر خارجي متعلق بتلك العادات والتقاليد.


د. عبدالعزيز المطوع

منفعة للخصوم

وأكد "حسين آل سنان" - مستشار قانوني - أن الاصلاح بين الناس فيه منفعة للخصوم بشكل خاص ويضع حداً للعداوة والبغضاء بعد إنهاء الخلاف، وكذلك بالنسبة للمجتمع على وجه العموم لوحدة المسلمين وتوحيد صفوفهم، مضيفاً أنه حثت الشريعة الاسلامية على ذلك قال الله تعالى: "لا خير في كثير من نجواهم إلاّ من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس"، مشيراً إلى أنه بادر المملكة بوضع لجنة الإصلاح ذات البين لدى المحكمة العامة؛ لتقريب وجهات النظر، والسعي لإنهاء الخلافات عن طريق الصلح عند زوال المانع الشرعي، مشدداً على أهمية الحث على الصلح إن كان ممكناً، سواء عن طريق الوجهاء والأعيان، أو عن طريق الصلح القبلي، أو أي شخص يرى أنه يستطيع تحقيق نتيجة من خلال باب المناصحة، موضحاً أنه ليس جميع التعاملات يجوز معها الصلح، فقد قال رسول الله صلى الله علية وسلم: "الصلح بين المسلمين جائز، إلاّ صلحاً حرّم حلالاً أو أحل حراماً".


حمود الخالدي

أخذ العوض

وقال "آل سنان": إنه يجوز الصلح على مجهول سواء كان عيناً أو ديناً، ويجوز الصلح عن كل من أخذ العوض عنه، سواء كان مما يجوز بيعه أو لا يجوز، كالدم العمد وأشباهه وكذلك عيب المبيع، مضيفاً أنه لا يصح الصلح على ما لا يجوز أخذ العوض منه، لافتاً إلى أنه يتفق مع مقولة "صلح خاسر خير من دعوى رابحة"، خاصةً عندما تكون الدعوى تختص بقضايا الأحوال الشخصية، فهذه ذات طابع خاص يكون الصلح فيها ذا منفعة لجميع الأطراف بشكل مباشر بالنسبة للأزواج وبشكل غير مباشر بالنسبة للأبناء، ذاكراً أنه يرى عدم تأخيرها خوفاً من الوقوع في المحظورات، مشيراً إلى أن الصلح قد يكون خالصاً لوجه الله تعالى وقد يكون بمقابل مادي أو عيني حسبما يتفق المتخاصمين، وفي النهاية يبقى سيد الأحكام؛ لأنه تم برضا جميع الأطراف.


حسين آل سنان

أسرة ومنزل

وركّز "د. يوسف الخاطر" - أخصائي تربوي - على الأسرة والمدرسة، وأنهما أساس زرع ثقافة الحقوق لدى الأطفال، وكذلك إيضاح حقوق الآخرين وحرمات الناس، وأن الأخطاء المرتكبة لا يتم التساهل في العقوبة المرصودة لها، مطالباً بوجود محاكم مستعجلة جدا في سرعة البت، تطبق الأنظمة المشرعة بدلاً من انتظار تنازل أحد الأطراف، مؤكداً أنه إذا حدث تنازل بطيب خاطر في حق خاص، فإنه لا يجب التدخل فيه.

وشدّد "نايف الظفيري" - محامي ومستشار سابق في ديوان المظالم - على عظم أجر القائم بالصلح بين إخوانه، مضيفاً: "اصلح بين إخوانك، ذلك حقهم عليك، ولا تخش إن اضطررت إلى بعض المواراة فى الكلام للتوفيق بينهم، ولكن لا تسترض إخوانك بإغضاب الله تعالى فإن الصلح جائز بين المسلمين إلاّ صلحاً حرّم حلالاً أو أحل حراماً".


نايف الظفيري

استجابة للضغوط

وأوضح "د. عبدالعزيز المطوع" - خبير نفسي - أن العفو عند المقدرة هو من أساسيات النشأة الإسلامية، مشدداً على أهمية عدم التنازل عن الحقوق الشخصية بتدخل أي طرف كان، فعدم التنازل هو تأكيد الذات، مرجعاً كثيرا من القضايا التي يتم التنازل عنها بسبب الحياء والاستجابة للضغوط، إلى جانب دخول التأمين، مؤكداً أنه يجب على الوالدين تربية الأبناء على معرفة حقوقهم المكفولة من النظام، وهو ما سيعيد مبدأ الوعي للواجهة، مطالباً بتفعيل مبدأ الحقوق الشخصية، الذي يأتي متوافقا مع القوانين العالمية، التي تتفق على القيمة التربوية التي قُدمت العديد من الطروحات باسم التعددية الثقافية، مبيناً أنه كشفت كثير من القضايا التي تم التنازل عنها ضعف المفهوم الحقوقي والثقافي، مشيراً إلى أنه لا يمكن أن نعثر اليوم على بديل أفضل من تفشي معرفة الحقوق الشخصية، التي تضمن تعايش الجميع وبعدة ثقافات مختلفة.