تعد المملكة من أكثر بلدان العالم في نسبة الحوادث المرورية؛ مما يعني أن تبعات إجراءاتها قد تأخذ منحنيات طويلة على اعتبار عددها الضخم، ولعل زيارة واحدة لأحد أقسام الحوادث في إدارات "المرور" بالمملكة، أو فرع "شركة نجم" المختصة في متابعة إجراءات الحوادث تكشف الجدل الحاصل يومياً والذي قد يمتد إلى صراخ من طرف على آخر معترضاً على تقدير نسبة الخطأ، وكلٌ ومبرراته التي يسوقها للطرف الآخر.

"الرياض" تجوّلت ميدانياً في أقسام الحوادث وورش إصلاح السيارات و"حراج السيارات" في أكثر من مدينة، ورصدت انتقادات وملاحظات أصحاب السيارات على نظام المرور في عدة أمور؛ أبرزها نسبة تقدير الخطأ، مما دعا كثيرين إلى المطالبة بإعادة النظر في بعض مواد نظام المرور -صدرت نسخته الأخيرة عام 1428ه-، إلى جانب منح المحققين سواءً من منسوبي "المرور" أو "نجم" مزيداً من التدريب؛ ليتمكنوا من التفسير المتقن لمواد القانون والابتعاد عن مواضع القصور أو الخلل، بحثاً عن عدالة تحمي حقوق الجميع.

نسب الخطأ

كيف تحتسب نسبة تحمل الخطأ في الحوادث؟، سؤال أجاب عليه العاملون في "المرور" و"نجم" أن النسبة تحتسب وفقاً لنظام "المرور" الصادر من مقام "وزارة الداخلية"، وذلك في المواد من (59-64) وتتفرع إلى نحو (45) حالة بُنيت على معايير ميدانية مفصلة وواضحة، لكنها تربط بوضع الطرق وبعض التفاصيل الدقيقة الأخرى.

وكشفوا أنه في حالة وجد حادث تضاربت فيه أقوال الطرفين، وكانت الرؤية غير واضحة فإن النسبة توزع بالتساوي 50% على كلٍ منهما، مقرين باختلاف نسب تقدير الخطأ بين "نجم" و"المرور" في أكثر من مدينة بنسبة 35%، وذلك يعود إلى العاملين المستجدين في أياً من الطرفين، في حين يتطابق التقدير لدى من يملك الخبرة في كل الجهتين.

نظام متجدد

وأشاد مهتمون ببعض التعديلات المهمة التي حملها نظام المرور الأخير، ومن ذلك الاصطدام من الخلف، حيث كان نظام المرور السابق يُحمّل النسبة كاملة على قائد المركبة التي تكون في الخلف، أما الآن فتم إحداث تعديل مهم ربما لا يعرفه كثيرون، مثل إذا كان قائد مركبة يسير في شارع رئيس وخرجت عليه مركبة من نافذ صغير، شريطة أن لا تتجاوز المسافة التي قطعتها هذه السيارة 50 متراً، واصطدمت فوراً بالسيارة القادمة من الشارع الرئيس بتلك التي خرجت من النافذ الصغير، فإن النسبة حينها تكون (75%) على السيارة المصدومة من الخلف و(25%) على الصادم.

التقديرات تختلف من مدينة لأخرى بحسب «نظام المرور».. وشركات التأمين «مماطلة»

اختلاف المناطق

الأمر اللافت في تحديد نسب الحوادث أن هذه النسب ليست واحدة بين مناطق المملكة -وفقا لما ذكره أحد محققي الحوادث-، ويعزوه محققون إلى اختلاف البُنية التحتية في الشوارع واعتبارات فنية أخرى منها تقدير المحقق نفسه وخبرته ومدى إلمامه بمواد النظام، ومن ذلك ما ذكره محُقق عن وجود اختلاف كلي بين تقدير حادث الدخول من شارع رئيس إلى آخر محلي واصطدام السيارتين في الزوايا (المادة 50/4/11)، حيث يُحمّل الداخل من الشارع الرئيس في مدينة "الرياض" الخطأ بنسبة (100%) رغم مخالفة هذا للمادة آنفة الذكر، في حين أن النسبة تحمل الذي يسير في المرور المحلي بنسبة (100%) في مدينتي "الدمام" و"الأحساء"!.

وذكر محققون أن "مدينة الرياض" تزداد نسبة تقدير الحوادث فيها ما بين (50%) و(100%)، بينما في "جدة" و"الدمام" تستخدم أربع نسب (25%) و(50%) و(75%) و(100%).


نظام المرور تغيّر فليس كل من صدمته من الخلف يكون الخطأ عليك 100%

شيخ المعارض

ويرى عدد كبير من أصحاب السيارات المصدومة أن تقدير "شيخ المعارض" لتكاليف تصليح السيارة المصدومة ليس مبنياً على معرفة بميكانيكية السيارة أو تقنياتها، وإنما يتم بشكل عشوائي، ويصل أحياناً إلى "المحسوبيات"، كما ذكر ذلك "عبدالله الصالح"، مبيناً أن تقدير شيخ المعارض لسيارته التي تعرضت لحادث ارتفع بنسبة تجاوزت (40%) بعد توصية تلقاها من صديق له.

وكشف "سامي الذرمان" كيف بخسه "شيخ المعارض" أكثر من نصف حقه بتقدير أبعد ما يكون عن الواقع على الرغم من محاولات إقناعه حتى بعد أن جلب له تسعيرة قطع السيارة التالفة وهو ما أدخله في شجار شديد معه، واصفاً طريقة تقدير "شيخ المعارض" لتكاليف إصلاح السيارات المصدومة ب"شختك بختك".

عشوائية وتباين

وذكر "محمد القحطاني" أن العشوائية والمحسوبيات يطغيان على تقدير الحوادث المرورية، مبيناً أنه شاهد أصحاب المعارض لديهم عمالة عربية وأجنبية هي التي تُقّدر تكاليف التصليح، حيث إن لديهم أوراقاً مختومة وجاهزة للتسعيرة، وذلك في إجراء أقل ما يقال عنه أنه يعكس حالة الفوضى وعدم التنظيم.

وامتعض "فهد العتيق" من تقديرات "شيخ المعارض" لتكاليف إصلاح السيارات، ذاكراً أنها تعتمد على ما إذا كان مرتكب الحادث لديه تأمين أم لا؟،حيث يضاعف المبلغ في حال وجود تأمين.

خسائر كبيرة

وقال "محمد العمراني" إن "شيخ المعارض" لم يُقدّر التكلفة الصحيحة لتكاليف إصلاح سيارته باهظة الثمن؛ مما تسبب في خسارة مبلغ كبير.

واتفق معه "أحمد الرشيد"؛ مستغرباً أن يكون تقدير تكاليف التصليح ليس مسؤولاً عنه أصحاب الورش نفسها، متسائلاً:"كيف لشخص (شريطي) يبيع ويشتري في السيارات أن يعرف كلفة تصليح السيارة؟، ولماذا يدفع قائد المركبة 90 ريالاً لتسعيرة السيارة المصدومة؟، وهو ما أسفر عنه أن أصبح (شيخ المعارض) ومعه (شريطيون) آخرون تجاراً على حساب أصحاب السيارات المصدومة!.

وتساءل آخرون كيف يحدد "شيخ المعارض" أن هذا الجزء من السيارة قابل للإصلاح، والجزء الآخر يحتاج إلى استبدال على الرغم من أنه لا يعلم إطلاقاً في الميكانيكا؟.


دوريات «نجم» ترصد الحادث وتصور تلفياته وتترك التقييم عند مراجعة التأمين في رحلة طويلة

تنصل "التأمين"

ودعا كثيرون "إدارة المرور" نحو إلزام شركات التأمين بتولي مهام الحوادث المرورية منذ لحظتها الأولى في موقعها، مروراً بالمطالبة المالية مع ما يصحب ذلك من إجراءات قانونية قد تطول أو تقصر وانتهاءً بوضع الخيار أمام السائق في اختيار الورشة التي يرغب إصلاح سيارته فيها، وهو الأمر الموجود في معظم دول العالم.

«شيخ المعارض» تاجر سيارات ما يفهم «ميكانيكا» وأصحاب الورش يفضلون الجديد..

ولفت "سعد السبيعي" و"راشد الهاجري" و"يوسف السلمان" إلى أن بعض شركات التأمين لا يوجد لديها سوى موظف أو اثنين يتوليان استلام الأوراق من صاحب السيارة المصدومة "الغلبان" الذي يدوخ سبع دوخات لإنهاء إجراءات الحادث، ذاكرين أن بعض الحوادث يستغرق إنهاء إجراءاتها عدة أسابيع وربما أشهر حتى يستلم صاحب السيارة الشيك.


اللواء عبدالرحمن المقبل

اللواء المقبل ننتظر جهودك!

يأتي تحقيق "الرياض" بعد مُضي أسابيع قلائل على صدور قرار مدير الأمن العام بتعيين اللواء عبدالرحمن المقبل مديراً عاماً للمرور في المملكة، فهذا الرجل الذي حمل مهمة إدارة دفة المرور في مدينة الرياض التي تعد واحدة من أكبر مدن العالم اتساعاً جغرافياً ونمواً في عدد السيارات، وهو الرجل الذي سبر أغوار المرور وتعرف عن قرب على كل ما فيه من ملاحظات وتجاوزات، وصعد سلّم المرور عتبة عتبة، وأمضى سنوات طوال يعمل في الميدان تحت أشعة الشمس في قيض نجد اللاهب، وهو ما يعرف ب"المقبل رجل الميدان"؛ فالكل يعوّل على هذا الرجل أن يعيد النظر في نظام وإجراءات تقدير الحوادث المرورية بطريقة أكثر دقة ومهنية، ويشعر الجميع أن مدير المرور يبحث عن التطوير والتحسين في التشريعات القانونية والنظامية، وهو أعلم منّا بها، ويعرف تفاصيلها، وثغراتها، وربما تجاوزات الكثيرين فيها.. ما زلنا ننتظر!.

إجراءات بعض شركات التأمين.. مملة!

أرجع كثيرون سبب طول إجراءات إنهاء الحوادث؛ إلى تخلي بعض شركات التأمين عن أداء دورها المناط بها نظاماً في إنهاء الإجراءات، وإلقائها بذلك الحمل الثقيل على كاهل صاحب السيارة؛ لإنهاء معاملته في ظل قلة الرقابة الصارمة من "المرور" نحو إجبار شركات التأمين على عملها بشكل يضمن حقوق المواطن على أسرع وجه.

وذكر "هشام بن محمد الشريف" -نائب الرئيس التنفيذي لشركة التعاونية لشؤون المركبات- في "ندوة الثلاثاء" المنشورة في "الرياض" بتاريخ 24 شوال 1430ه أن من بين الإجراءات التي ينبغي على شركات التأمين عملها هو تشكيل فريق عمل من المعاينين الأكفاء لمعاينة السيارات المتضررة، والتعاقد مع عدد من ورش الإصلاح ووكالات السيارات لاستقبال سيارات العملاء، وعلى الرغم من ذلك لم يحصل شيئ على أرض الواقع، حيث يعاني مرتكب الحادث من تتبع إجراءات طويلة يتضح من خلالها "تنصّل" شركات التأمين.


صورة ضوئية لتقدير قيمة سيارة من ثلاثة معارض

صورة لنموذج تقرير قطع غيار السيارات من ثلاث ورش