يمثّل الحفاظ على مقومات البيئة الطبيعية بعناصرها المختلفة مطلباً دينياً ووطنياً ملحاً، تسعى لتحقيقه كافة الدول المتحضرة عبر اعتمادها على نشر الوعي من جهة وتسخيرها لمعطيات العلم والعمل من جهة أخرى؛ ليتسنى لها العيش في كنف بيئة متوازنة تحمل السعادة لسكانها حاضراً ومستقبلاً.. وبينما نحن على أبواب إجازة الربيع، ويستعد الكثير من الأهالي للخروج إلى البر والتخييم، وبما يمثله الإرشاد لمرتادي المتنزهات البرية في تلك الفترة.

«الرياض» التقت «د. عبدالله المسند» -عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم، والمشرف على جوال «كون»- فكان الحوار التالي:

حب الصحراء

  • بداية لماذا السعوديون على وجه التحديد أكثر من غيرهم حباً وارتياداً للصحراء؟

  • فعلاً.. السعوديون مهووسون بالصحراء وأجوائها، وشغوفون بارتياد البراري وأكنافها، وهذا يعود إلى عوامل عدة: كلفة التنزه البري متدنية، سيما وأن الجميع يساهم بحصته و»قطته»، وتوفر المركبات خاصةً سيارات الدفع الرباعي، أيضاً حب الاجتماع، واستتباب الأمن في ربوع الوطن، وكذلك اتساع وقت الفراغ لدى الكثيرين على وجه العموم، وقِصر فترة الشتاء في السعودية، جمال الصحراء إبان فصلي الشتاء والربيع.

    التيه بالصحراء

  • من وقتٍ لآخر نُفجع بأخبار محزنة عن ضحايا التيه في الصحراء، فما هي توجيهاتكم لروَّاد البَّر؟

  • في معظم الحالات قد يجني الإنسان على نفسه، فالقصور في أخذ احتياطات السلامة والصحة، يكاد يكون شبه معدوم، وبعض الناس بسبب جهله -أو حمقه- يعْتد بقدراته في قطع الصحاري دونما الأخذ بالاحتياطات الواجبة شرعاً وعقلاً (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)، لذا أهيب بمن يسلك الطرق الصحراوية الطويلة والنائية أنْ يعدَّ العُدَّة لمفاجآت الطريق، كالاستزادة بالماء، وتفحص السيارة، وتوفير مستلزمات الإسعافات الأولية، وإخبار قريب أو صديق عن مسار الرحلة، واقتناء أجهزة الملاحة أوالخرائط؛ لمعرفة جغرافية المنطقة وما حولها من معالم، وأن يصطحب معه صاحب، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن سفر الإنسان بمفرده (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ، مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ)، وهذا يتأكد في السفر على الطرق البرية أكثر من المعبدة.. ومن نظر في العواقب أمِن المصائب.

فوضى بيئية!

  • المهرجانات الربيعية والتي تقام في المتنزهات البرية، كان لك موقف منها؟

  • في الواقع المهرجانات الربيعية التي تقام بالمتنزهات البرية فوضى بيئية، فكيف غاب عن المخططين، أنّ إقامة المهرجانات الربيعية في المتنزهات البرية، وما يصحبها من نشاط وعروض يجلب عشرات الآلاف من الناس، إلى متنزهات بيئية شحيحة وفقيرة ذات خصائص مميزة وفريدة، وتعيث فيها الجهات المُشغِّلة للمهرجانات فساداً بيئياً؛ في قلع الأشجار، وفتح الطرقات، وإقامة المواقف، وبناء الأسوار والأبواب، والمكاتب، والدور، والمحلات، والمضامير، حتى باتت تلك المهرجانات كالقرية الصغيرة التي زُرعت في وسط بيئي جميل، فحطمته أو على الأقل شوهته، وبعد ما تؤدي هذه الجهات المشغلة للمهرجانات دورها في الإعداد للمهرجان الربيعي الترويحي على حساب البيئة، يأتي الزوّار فيعبثون بالمكان وما حوله، حتى أضحت المتنزهات البرية مصابة بخلل في التوازن، ناجمٍ عن نشاط بشري غير مسؤول، لا يستطيع بعض منظميها أنْ ينظروا إلا لبُعد واحد هو الترفية والترويح، أمّا مصير المكان فهذا لا يعنيهم، غير مكترثين بأبعاد نتائج الإفساد البيئي الشرعية والطبيعية والحضرية.


التساؤل عن مصير المكان بعد المهرجان أهم من غيره

إفساد الأرض

  • أنت ناشط بيئي ومختص جغرافي ما هي أبرز سلبيات المتنزهين في البر التي تراها؟

  • هناك فئة -بدأت ولله الحمد تتقلص- لا يتأدبون بأدب الرحلات، ولا يكترثون بحماية البيئة الطبيعية، وفقاً لأوامر الشريعة الإسلامية، هؤلاء يمارسون هوايتهم في الإفساد في الأرض، مثل ترك النفايات مبعثرة دون مبالاة أو رادع ديني أو وطني أو عقلي، ويقطعون الأشجار المعمرة، ويفحطون فوق الأراضي المعشبة، ويصيدون كل ما يدب في الأرض ويطير في السماء، حتى الخفاش لم يسلم منهم، فإن لم يجدوا شيئاً عمد بعضهم إلى وضع قوارير زجاجية كهدف يرميه، وهؤلاء المفسدون في الأرض لا يعلم أكثرهم أنهم يبصقون في الإناء الذي يشربون منه، ومصيرهم هو العودة للمكان ذاته مرة ثانية، وفي الحديث (من آذى المسلمين في طُرُقِهم، وجبتْ عليه لعنتُهم) وقال عليه الصلاة والسلام (مَا مِنْ إنسان يقتل عصفورًا فما فوقها بغير حقّها، إلا سأله الله عز وجل عنها يوم القيامة، قيل: يا رسول الله، وما حقُّها؟ قال: «حقُّها أن يذبحها فيأكل، ولا يقطع رأسه فيرمي به)، ومن المتشبهين بالصيادين من يقتحمون المزارع من أجل عصفور، ومن سلبيات بعض المتنزهين أنهم يضايقون العوائل بالنظرة المتسمرة، ومنهم من يكتب ذكرياته على الآثار والصخور واللوحات الإرشادية مشوهاً الموقع والمكان.


ترك المكان متسخاً أنانية تقضي على البيئة

جشاعة المحتطب

  • أنت ذكرت من أنواع الإفساد قطع الأشجار.. ألم يتوقف الاحتطاب الجائر بعد صدور قرار وزارة الزراعة؟

  • استبشر الجميع بصدور قرار منع الاحتطاب من قِبل وزارة الزراعة في إطار مكافحتها للتصحر قبل أكثر من ثلاث سنوات، وإعطاء مهلة لتصريف الموجود بالسوق ومن ثم تطبيق القرار بدءاً من 1/1/1430ه، والبدء باستيراد الحطب من الخارج، ولكن تفاجأ الجميع بأن القرار لم يحظ بالمتابعة والتطبيق المطلوب، فالاحتطاب الجائر منتشر وبجشع في عشرات الأودية، خاصة في القطاع الغربي من المملكة، والجنوب الغربي، حيث الأودية التي يتكاثر بها الطلح والسمر ونحوهما، وأسواق الحطب المحلي تنتشر في كل مدينة وقرية علناً، بل ويكشف لك البائع عن مصدر جلب الحطب المحلي، حتى أصبحت السيارات الناقلة للحطب المحلي تسير بالطرق في وضح النهار، ويُدرك الجميع خطورة المضي في تعرية الأرض من الأشجار، وإحداث الخلل البيئي في المنطقة، ونطالب وزارة الزراعة إلى الذهاب إلى أبعد من منع الاحتطاب، ذلك وهو البدء بمشروع وطني حَضَري بيئي لزراعة الأودية بشجر السدر والطلح والسمر وغيرها من الأشجار الصحراوية المحلية، وذلك وفق برنامج وطني طويل الأمد.

علاقة متوترة

  • لماذا اختفت بعض متنزهاتنا البرية؟

  • أعتقد أنّ مشكلة تدهور مقومات الجمال الطبيعي لمتنزهاتنا البرية، وتدهور الغطاء النباتي، وما يترتب عليه من تصحر وزحف للرمال واختلال في التوازن البيئي، وكثرة الغبار، إلى جملة أسباب منها: السيارات الجوالة، والدبابات، وعملية الاحتطاب؛ ولهذا غدت بعض متنزهاتنا مجرد طرق مفككة، وأشجار مكسرة، ونفايات مبعثرة، وغبار متطاير تعكس لنا عن علاقة متوترة متأزمة بين الإنسان وبيئته، التي تحتضر وتئن تحت وطأة «فوضويين» يزعمون أن الله سخرها حصرياً لهم.


د. عبدالله المسند

الرعي والتصحر

  • وماذا عن الرعي والرعاة؟

  • من خلال التأمل الميداني في الغطاء النباتي ببلادنا الصحراوية، أحسب أن الرعي يتحمل على الأقل 85% من مشكلة التصحر، إذ أنّه يجهد الغطاء النباتي الحولي، والدائم على حد سواء، في بيئتنا الفقيرة أصلاً في مقوماتها، وصارت ملايين من الرؤوس الحية تمشط مساحات فقيرة، فلا تُبقي ولا تذر، ومن شاهد المحميات والأراضي المشبكة وجد الفرق الواضح، هذا من جهة ومن جهة أخرى أمطارنا قليلة فساهم العامل البشري السلبي المتمثل بالرعي الجائر، مع العامل الطبيعي بأن تكون صحراؤنا جرداء تعصف بها الرياح في أدنى حركة لها، لتبني لنا جداراً من الغبار.

السيارات الجوالة و «الدبابات» و «الاحتطاب» والصيد الجائر نشاطات بشرية غير مسؤولة بيئياً

النفايات في البر

  • الكثير يسأل ما الطريقة المثلى في التخلص من النفايات في البر؟

  • بعض المتنزهين يتركها مبعثرة كما هي، وبعضهم يحرقها فيتخلص من معظمها وتبقى آثارها لعدة أسابيع أو أشهر، ولا أنصح بهذه الطريقة سيما مع احتوائها على المواد الصلبة، والأرض قد لا تُنْبِت في موضع الحرق، وبعضهم يجمعها ويدفنها في مكانها، وهذا قد يكون جيدا، ولكن الأصوب جمعها ثم نقلها معك لأقرب حاوية، وهذا عمل يُحمدُ شرعاً وعقلاً، قال عليه الصلاة والسلام: (بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له)، وبعض المتنزهين يصطحب معه ذبيحته إلى البر ويذبحها حيث أقام، ومن حيث لا يشعر يساهم في تلويث المكان بمخلفات ذبيحته، والتي ربما يتركها تحت شجرة أو نحوه، لتبقى نتنة لأشهر حارماً نفسه وغيره منافع المكان لعدة أسابيع، فيؤذيهم دون أن يشعر.

التغيير بأيدينا

  • هل هناك آلية لتغيير بيئتنا أو على الأقل الحفاظ عليها؟

  • باختصار.. لو تعلمنا وطبقنا التوجيهات الدينية الراقية والواقية في هذا الخصوص لسلمت بيئتنا، هذا من جهة ومن جهة أخرى عشرات الآلاف من الناس يخرجون للبر بشكل دوري، وبيئتنا الصحراوية فقيرة بأشجارها كما يعلم الجميع، ومن الأفضل لو كل واحد أحضر مجموعة بذور للأشجار البرية كالطلح والسدر والغضا والرمث وغيرها، أو العرعر والزيتون البري في المرتفعات الجنوبية الغربية، ثم زرعها في بيته، عبر كيسان أو أكياس بلاستيكية، ثم رعاها لشهرين أو يزيد، وغرسها في البر، وقال رجل البيئة الأول محمد -صلى الله عليه وسلم-: (لا يغرس مسلم غرسًا ولا يزرع زرعاً، فيأكل منه إنسان، ولا دابة، ولا شيء، إلا كانت له صدقة).


عشرات الآلاف من أرتال السيارات تدهس ما بقي
  • كلمة أخيرة في ختام الحوار.

  • ناديت في لقاء سابق في صحيفة «الرياض» بتوصيات عاجلة تكفل -بإذن الله تعالى- إيقاف التدهور البيئي ولو جزئياً، وإعادة أوديتنا ومتنزهاتنا لطبيعتها التي فطرها الله عليها، وذلك من خلال ما يلي: إنشاء «الشرطة الخضراء» العلنية والسرية لحماية المتنزهات البرية، وهنا أشيد بمديرية الزراعة بمحافظة عنيزة حيث طبقت الآلية في محمية الغضا في وقت مبكر، حتى أصبحت شجرة الغضا تزاحم الناس، ومن التوصيات أيضاً: زيادة عدد ومساحة المحميات الطبيعية من فياض وأودية من قبل وزارة الزراعة، والحد من انتشار الدبابات وتضييق الخناق عليها بيعاً واستئجاراً، وسن وتفعيل القوانين والتشريعات الرادعة عن عبث العابثين.


فوضى مهرجانات ربيعية مقامة في متنزهات برية