أكدت "د.منيرة عبدالله القاسم" -أستاذ أصول التربية الإسلامية المساعد في جامعة الأميرة نورة- على أن من يحلل ويحرم دون دليل صريح من الكتاب أو السنة، أو دون قاعدة شرعية، لا يمكن أن يطلق عليه اسم "مفتي"، مضيفةً أن الإفتاء في بلادنا لم يوكل إلاّ لمن هم أهله من العلماء الثقاة، مقدرةً ما يبذلونه من جهود لخدمة المسلمين وخدمة الدين، خصوصاً في هذا الزمان الذي اختلط فيه الحابل بالنابل.

لا تناقض ولا تنافر

وعن قاعدة "الأصل في الأشياء الإباحة"، أوضحت "د.منيرة" أن الشريعة لا تمتلك هذه القاعدة فقط، والتي من الممكن أن تبنى عليها الكثير من الأمور؛ لأن التشريع أكبر من أن يُختصر في قاعدة واحدة، مؤكدةً على أن القواعد تتكامل مع بعضها البعض، والتي قد يظهر للبعض من العوام أنها غير منسجمة، إلاّ أن المتأمل لها يجدها تدور حول محور واحد؛ فلا تناقض بينها ولا تنافر، مشيرةً إلى أن الإسلام دين شامل كامل يحمل صفة العدل والإنصاف والفطرة والتوازن، مشددةً على أهمية النظر إلى الواقع قبل الحكم في أمر ما، سواء بالتحليل أو التحريم، مما لم يرد فيه نص شرعي؛ ذاكرةً أن من القواعد المهمة في الإسلام "أن ما يفضي إلى محرم فهو محرم"، وهناك قاعدة مهمة هي القياس، والتي تعد أحد مصادر التشريع في حال عدم وجود نصوص صريحة، وهذا معلوم عند عامة الناس ممن لم يتخصصوا في الدراسات الشرعية، مؤكدةً على أن مصادر التشريع لا تقتصر فقط على الكتاب والسنة والاجتهاد، فهناك الاجتهاد والقياس كذلك.

سد الذرائع

وأشارت "د.منيرة" إلى أنه يوجد قواعد متعارف عليها في الشريعة، وهي ما يُعرف ب"باب سد الذرائع"؛ باعتبارها قاعدة عظيمة قد يتغير الحكم من خلالها بتغير الزمان والمكان، مضيفةً أن هناك العديد من القواعد التي تُبنى عليها الشريعة، والتي يُصدر على أساسها العلماء الأفاضل أحكام التحليل أو التحريم، وليس هنا المجال لبسطها، كما أن لها أهلها، مشيرةً إلى أن مبدأ وسطية واعتدال الإسلام قد يغيب عن أذهان كثير من المربّين اليوم، فنجدهم إما في تساهل مفرط أو غلو مجحف، وقد يكون الغلو نتيجة عكسية للمبالغة في التساهل في كثير من الأمور، مما يسبب فجوة كبيرة بين المربين وجيل الشباب والفتيات.

أسوة حسنة

وأكدت "د.منيرة" على أن الشيء المهم الذي يفتقده كثير من المربين والدعاة والشباب والفتيات هو "الوعي"، فلو كان المربي الداعية واعياً ملمّا بالجوانب التربوية للأجيال الجديدة والأحكام الشرعية، لما أصدر أحكاماً شاذة، وفتاوى تطرح بطريقة لا يتقبلها الطرف الآخر، مؤكدةً على أنه لن يحدث هذا التصادم بين الجيلين، إلاّ في حال انعدام التوافق والفهم والقناعات، فلو بُنيت جسور بين المربين والدعاة وبين الشباب والفتيات قوامها الفهم والقناعة محاطة بسياج من الحب، لوجدنا منهم الاستجابة والانسجام، مشددةً على أهمية الاقتداء بنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في التيسير، واستخدام الأسلوب الحسن واللطف في التعامل، ولنا في رسول الله أسوة حسنة، فما خُير بين أمرين إلاّ أختار أيسرهما.

منطلق شرعي

ونصحت "د.منيرة" جيل الشباب بامتلاك الثقافة والوعي، حتى تمكنهم من التمييز بين الحلال والحرام، وبين الصحيح والخاطئ، وأن يدركوا أن الإسلام لم يحرم أو يضيق في شيء مما يحتاجه الإنسان بالضرورة، وما ذلك إلاّ لمصلحة الفرد والمجتمع، داعيةً إلى عدم الانسياق وراء الرغبات والشهوات، والسعي لتطويع النصوص لتحقيق المصالح الشخصية، أو من أجل رفاهية الأبناء، مبينةً أنه من اللازم أنلا نغتال الفُسح والفرص التي منحنا إياها الإسلام بدعوى الزهد أو التدين، ويجب علينا كمسلمين كباراً وصغاراً أن نستسلم راضين بالأحكام والتشريعات التي تصدر من العلماء الثقاة، حتى وإن كانت لا تتماشى مع ما نريده، مضيفةً أن الفطرة السليمة المتوافقة مع الشريعة تظل هي المنبع والموجه الصحيح لتصرفات الإنسان، مؤكدةً على أنه لن يكون للتشدد والتضييق مكان في حياتنا إذا انطلقت توجهاتنا وأحكامنا من منطلق شرعي وسطي متوازن، وإذا ما ربينا أنفسنا وأبناءنا على مبدأ التسليم والانقياد لله تعالى أولاً وأخيراً.