هكذا الدنيا نزول وارتحال، مراحل نقطعها فيها من التغيرات والعبر وما هو آية لمن ألقى السمع وهو شهيد، قال تعالى: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً، وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج) «5 الحج»، كل شيء نفر منه لا ريب أنه خلفنا إلا الموت فإنه ملاقينا!!، لذا ما أعظم الموت وما أعظم وقعه وخصوصاً إذا قبض ملك الموت من بموته تتفطر القلوب وتدمع الأعين، وهذا الحزن يتأكد ولا ريب في موت حملة العلم الذين أحياهم الله بحياة قلوبهم وعلو هممهم حتى وهبوا أنفسهم للناس وساروا في هذه الحياة مشاعل نور ومنارات إشعاع للعالمين قال جل وعلا (أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون) 122 الأنعام، ومن هؤلاء الرجال فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن إبراهيم الفايز الذي فارقنا يوم الثلاثاء الموافق 2/4/1426ه، وهو شيخ متمكن وعالم فذ، ولد في جلاجل عام 1350ه ودب على هذه البسيطة جل حياته فاقد البصر حيث أصيب بالجدري وعمره اثنا عشر عاماً لكنه ذو بصيرة وعزيمة وعصامية وبذل وعطاء ونقاء وصفاء وعمل لا يعرف الكلل ولا الملل وذو فراسة لا تكاد أن تخطئ، دخل الكتاتيب في الأرطاوية عام 1361ه فبرز من بين أقرانه ولمس ذلك الشيخ عبدالله بن عيدان - رحمه الله - وإيماناً منه بضرورة استثمار الطاقات ألح على الفقيد ايما الحاح للرحيل في طلب العلم الى منارة العلم ومنجم العلماء مدينة الرياض حيث أكمل الفقيد فيها حفظ القرآن الكريم وتلقى العلوم الشرعية على أيدي ثلة مباركة من العلماء الجهابذة منهم على سبيل المثال لا الحصر سماحة مفتي الديار السعودية آنذاك الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وفضيلة الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم آل الشيخ - رحم الله الجميع -، وفي عام 1371ه افتتح المعهد العلمي بالرياض وكان الفقيد من أوائل من التحق به حيث استكمل تعليمه على يد علماء وأساتذة أفاضل أجلاء، ولم يكتف - رحمه الله - بذلك بل واصل تعليمه حتى تخرج في كلية الشريعة في العام الدراسي 1379/1380ه، وبعد التخرج في الكلية صدر التوجيه بتعيينه في سلك القضاء فأصابه هم عظيم لعدم رغبته في القضاء لا زهداً فيه بل لورعه - رحمه الله - فراجع لتحقيق هذه الرغبة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - وأبدى له تلك الرغبة، غير أن سماحته من منطلق استثمار ما وهب الله الفقيد من صفات وقدرات تجعل منه قاضياً متمكناً لم يجبه إلى طلبه ابتداء إلا بعد إلحاح ورجاء متكرر، بعدها توجّه الفقيد إلى سلك التعليم وتحديداً إلى تعليم المكفوفين في معهد النور بالرياض واستمر فيه حتى عام 1397ه حيث انتقل بعدها معلماً في التعليم العام الذي استمر فيه إلى أن أحيل إلى التقاعد عام 1410ه، وبعد التقاعد لم يتوقف الفقيد عن مواصلة سعيه لتعليم الناس ونصحهم وتوجيههم فقد كان له لقاء دوري مع جيرانه في مجالسهم يتجاذب فيه الحديث معهم ثم يقرأ عليه من كتب العلم فيعقب بالشرح وسرد ما يفتح الله به عليه من الفوائد التي يسر بها الجالسون ومنها يستفيدون، ولأن الفقيد ممن عرف بلين الجانب وخفض جناحه لعموم الناس وبالذات الضعفاء منهم والمساكين فقد كان له جلسات في المسجد القريب من بيته يعرض خلالها الناس أمورهم ومشكلاتهم عليه طلباً لحلها وكذلك يعلمهم بدوره أمور دينهم وخاصة كتاب الله فيراجعون لديه حفظهم ويصححون قراءتهم دون ملل أو كلل منه كما يراجع بعضهم عليه حفظ المتون العلمية، وقد عرف - رحمه الله - ببذل الصدقات وتلمس الحاجات وإطعام الطعام وسقيا الماء والمساهمة في المشاريع الخيرية وخصوصاً ما يخص مسجد حيه، وله أياد بيضاء لا نعلمها الله جلّ وعلا يعلمها، ومما أثر عن الفقيد وعرف عنه تعلّقه بكتاب الله تلاوة وتدبراً فقد كان يختم وهو على فراش مرضه الأخير القرآن الكريم كل خمسة أيام، أما في حال صحته فقد كان يختمه في أقل من ذلك بكثير - رحمه الله -.

ما تحدثت به عن الفقيد - رحمه الله - ليس من نتاج عاطفة بل من نتاج تجربة ومخالطة طويلة جداً تقف أمامها كلماتي خجلى معلنة عجزها أن تترجم تلك السيرة العطرة لهذا الرجل العظيم والجبل الأشم الذي فقده قد أدمى - والله - قلبي وأدمع عيني وضجت له أركاني وانعقد منه لساني واضطربت منه جوانحي!!!!

لقد أفل ذلك الكوكب ودفناه تحت الثرى!!!، ولسان حالي وإنتا انظر إلى قبره هو قول الشاعر حين قال:

ما كنت قبل دفنك في الثرى

ان الكواكب في التراب تمور

رحم الله فقيدنا الشيخ عبدالعزيز بن إبراهيم الفايز رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وألهم زوجته وأبنائه وذويه الصبر والسلوان ولا نقول ونحن في هذا المصاب إلا (إنا لله وإنا إليه راجعون) وإن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا لفراقك يا شيخ لمحزونون.