تزايدت في الآونة الأخيرة قضايا حوادث المعلمات، سواء الحوادث داخل المدارس أو عن طريق حوادث الطريق، وفي قضية اليوم نتناول المسؤول عن دية هؤلاء المتوفيات، هل هي إدارة التربية والتعليم بحكم أن المعلمات منتسبات لها؟، أم ملاك المدارس في حال الحرائق؟، أم ملاك الحافلات في حال الحوادث؟، وهل يطال الهلال الأحمر والدفاع المدني نصيب من تحمل المسؤولية؟.

وكذلك نرى هناك طرف آخر وهو المتسبب بحدوث الحريق، كما أوضحت التحقيقات بحادثة حريق "مدرسة براعم الوطن" وراح ضحيتها ثلاث معلمات، بأن طالبات هن المتسببات بالحريق، وبذلك هل يتحمل أولياء أمورهن دية المتوفيات؟..

توجهنا بأسئلتنا لعدد من المهتمين وخرجنا بالتالي.

مستويات المسؤولية

أوضح "د. خالد بن عبدالله المزيني" أستاذ الفقه المساعد بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، أن الشريعة الإسلامية جاءت بالمحافظة على الأرواح، وتأكيد بذل أقصى درجات العناية في هذا السبيل، ومحاسبة كل مقصر ومتساهل ومهمل في ذلك، وأنه لا بد من تعويض المتوفيات والمتضررات وذويهن؛ لأن القاعدة أنه "لا يطل دم في الإسلام" يعني أنه لا يذهب هدراً، هذا متقرر شرعاً، وهو ما يعبر عنه القانونيون بقولهم: المسؤولية هنا مفترضة، يعني حتى ولو لم يقع خطأ من أحد أصلاً، وروي أن رجلاً قتل في الطواف فاستشار عمر رضي الله عنه الناس، فقال علي بن أبي طالب: "ديته على المسلمين، أو في بيت المال" أخرجه ابن أبي شيبة، فلا بد من جهة تتحمل مسؤولية الحوادث التي تقع كائنة ما كانت.

التحديات

وأشار إلى أنّ تحديد الديات والتعويضات ومن يتحملها هي مسألة راجعة إلى القضاء المختص بعد أن يطلع على وقائع الحادثة، وفي مثل هذه الحوادث نكون أمام ثلاثة مستويات من المسؤولية: المسؤولية الجنائية، والمسؤولية المدنية (الدية أو التعويض)، والمسؤولية الأدبية الأخلاقية، وهي مسؤولية أي وزير ووزارته عما يحدث في مرافق الوزارة ومنسوبيها.

وأضاف: وتكون المسؤولية إما بالفعل الإيجابي وهو الاعتداء المؤدي إلى الضرر كما لو تسبب شخص بإشعال الحريق بفعله، أو الفعل السلبي وهو الترك والإهمال، أي ترك ما ينبغي للإنسان فعله من إجراءات احترازية تتعلق بسلامة الأرواح، وكلاهما يحمّل مرتكب الخطأ مسؤولية دفع الدية والتعويض، وإذا كان قاصراً فإن عمده خطأ بالإجماع لكن الدية لا تسقط، فأما مسؤولية الفعل الذي يترتب عليه الوفاة فالمتسبب يتحمل الدية.

جريمة الإهمال

وقال: أما ما يخص جريمة الإهمال فقد جاءت الشريعة بتأكيد عدم التساهل في حماية الأنفس المعصومة، ولو كان ذلك بالامتناع عن فعلٍ ما يؤدي تركه إلى هلاك شخص، فلو فرض أن الوزارة أهملت في مواصفات المدرسة، أو أن مالك المبنى، أو سائق الحافلة أخل بذلك، أو أن الدفاع المدني تراخى وتساهل في إنقاذ المتوفيات فإن المهمل يتحمل الدية، وهذا بالطبع مرجعه القضاء كما أسلفت، قال الإمام العز بن عبدالسلام: "تقديم إنقاذ الغرقى المعصومين عند الله أفضل من الصلاة، والجمع بين المصلحتين ممكن، بأن ينقذ الغريق، ثم يقضي الصلاة، ومعلوم أن ما فاته من أداء الصلاة لا يقارب إنقاذ إلا بالفطر، فإنه يفطر وينقذه" اه. وذكر ابن حزم: "أن رجلا استسقى على باب قوم فلم يسقوه حتى مات من العطش، فضمنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ديته "اه، مضيفاً فامتناع الإنسان عن إنقاذ شخص يغرق أو يحترق أو امتناعه عن سقي إنسان يراه يموت عطشاً هو بحد ذاته جريمة ترتب عليه مسؤولية تحمل دية المتوفى، أو المتضرر، والخلاصة أنه إذا توفرت أركان المسؤولية في جهة أو شخص فإنه يتحمل ما يترتب عليها من عقوبة أو دية.

مسؤولية دينية

وأشار "يوسف بن سليمان الهاجري" إمام وخطيب جامع والدة الأمير عبدالعزيز بن فهد بحي الفلاح، إلى أنه من الواجب العناية بأبناء الوطن الذين نبنيهم لمستقبل مشرق بإذن الله، وهذه العناية نابعة من مسؤولية دينية (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)، ومسؤولية وطنية نستشعرها من الأب الكبير خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في اهتمامه الواضح بالعلم والتعلم ففتحت أبواب الابتعاث الداخلي والخارجي وتضاعفت أعداد الجامعات والمدارس وأغدق بالمال على قطاعات التعليم كلها، وكذلك انطلقت المشاريع واللجان في تطوير المناهج والبيئة المدرسية وأركان التعليم في تسابق سريع نحو بناء الفرد بمنهجية سليمة وبيئة مميزة لتحقيق نمو شامل يعم أرجاء الوطن، وينتشر في أرجاء العالم.

جهات ذات علاقة

وأوضح "الهاجري" أنّ وزارة التربية والتعليم يقع على عاتقها الجزء الأكبر حيث أنها المسؤولة الأولى والمباشرة عن المدارس، وتوفر أدوات السلامة، وأبواب الطوارئ وفعاليتها، والتحقق من المشرفين والمشرفات الزائرات وحسن تأدية عملهم ومتابعتهم للمدرسة، ومراجعة ذلك بدقة شديدة، وتتبع التقصير من أدنى الهرم إلى أعلاه، داعياً إلى مراجعة موضوع المعلمات اللاتي يدرسن بعيداً عن مدنهن؛ ما يجعلهن يتنقلن عبر هذه الطرق وخطورة ذلك واضحة للجميع، وكذلك وزارة التعليم العالي وإشكالية جامعات وكليات البنات المتواجدة بالمحافظات أو المدن وقبول الطالبات فيها، وهن لا يسكن في نفس المدينة، وما بذلته من إجراءات تضمن سلامتهن.

وأشار إلى أن ملاك المدارس (الأهلية) عليهم مسؤولية تطبيق السلامة داخلها عملياً وليس ورقياً، وتوفر أدوات السلامة وكذلك مخارج السلامة، وهل البناء متقيد بذلك، ما يستدعي خروج لجنة هندسية مختصة بذلك للإطلاع على المدارس جميعها، والطاقم الإداري بالمدارس ومدى تعرفهم على الأخطار الموجودة والتعامل معها وكذلك ضمان سير العملية التعليمية بأمان من حيث المتابعة والرقابة المستمرة، ووجود خطط الإخلاء السليمة.

الفواجع المتكررة

ودعا "الهاجري" إلى حصر كل الأطراف التي لها علاقة بهذه الفواجع المستمرة والمتكررة، وألا نغتر بالتصريحات الإعلامية لبعض الجهات التي تبرر موقفها أو تدعي أنها قامت بدورها بالوقت المناسب وعلى أكمل الوجه، كما أنه لا يعفي بعض الجهات التي بدأت بلجان تحقيق من التحقيق معها فهي جزء من هذه القضايا، ومن المناسب تأكيد التحقيق مع جميع الأطراف التي تتعلق بهذه القضية والتعرف على كل الملابسات وكذلك التعامل معه، ثم يجب تلافي تكرار هذه المأساة في غيرها من المدارس أو الطرق بأخذ الحيطة والحذر والتأكد من وسائل السلامة، وقدرة المسئولين المباشرين في متابعتهم وتأديتهم.

تأثير إعلامي

وأوضح "د. أحمد الصقيه" المحامي، أن الأصول المهمة هنا قضائياً وإعلامياً عدم التعليق أو المساس بالقضايا التي لاتزال تحت نظر المحكمة، ولذا جاء في نظام المطبوعات والنشر حضر نشر وقائع التحقيقات والمحاكمات، وفي تقديري أن موضوع حريق جدة، أو حادث حائل ينطبق عليها هذا الأصل القضائي والإعلامي المهم، لتمكين جهات التحقيق والقضاء من القيام بدورها من دون أي تأثير إعلامي، وفي الجملة يمكن القول إن الدية هي المال المؤدى إلى المجني عليه أو ورثته بسبب الجناية والتعدي على البدن، وتحكمها القاعدة الشهيره قضائياً التي تشير إلى أحكام التسبب والمباشرة.

موجب الدية

وأضاف الصقيه: القاعدة القضائية هنا هي في موجب الدية، إما مباشرة أو سبب، (التسبب بإهمال وسائل السلامة في المبنى أو الطريق مثلاً والمباشرة بإشعال النار أو قطع الإشارة، كما يمكن أن يمثل له بأن حفر الحفرة يُعد تسببا وإلقاء المجني فيها يعتبر مباشرةً) وهذه القاعدة يتفرع عليها المسائل التالية: الأولى: أن يجتمع مباشران، يشتركان في الجناية فعليهما الدية.. والثانية: أن يجتمع متسببان يتسببان فيما يؤدي للجناية فعليهما الدية.. أما الثالثة: أن يجتمع متسبب ومباشر، فالضمان على المباشر، إلاّ إن كان المباشر غير أهل للتضمين، أو إن كانت المباشرة مبنية على سبب يسوغ شرعاً العمل به.