قرأت كتاباً لمفكر النظام السوري، وشاعر الثورة الإيرانية علي أحمد سعيد (أدونيس) يلاطف فيه آيات إيران، ويشمت بسقوط صدام وخلفيته السنية، رغم نقاء صدام بعثياً من أي طائفية، فصدام عندما أراد تجفيف العراق من التوجه الإسلامي لم يبدأ بعلماء الشيعة، بل توجه لقمع علماء السنة فأعدم الشيخ عبد العزيز البدري -رحمه الله-، وعلى عكس ذلك فصدام استضاف الإمام (الخميني) لعشرة أعوام، قبل أن تستدعيه صديقته فرنسا (التي بنت المفاعل لإسرائيل) لتحتضنه ثم تعيده على طائرة خاصة لتسلم السلطة في إيران، وعندما أزاحت أمريكا (صدام) أسفر المشهد عن كم هائل من علماء الحوزات في داخل العراق، فكنت أظن أننا سنرى مثلهم من علماء السنة، لكن تبين أن البعث قضى عليهم.. أدونيس كأي مفكر طائفي.. هاجم صدام البعثي النقي، لكنه دافع عن البعث الطائفي الدموي في بلاده، وبرأه من الطائفية وكأنه أحد أفراد الشبيحة.. هنا ينكشف لنا ما التراث الذي من أجله سخر أدونيس من محمد عابد الجابري ووصفه بالسطحية (إنه القرآن والسنة) لأن الجابري لم يشترط إلغاء القرآن والسنة كمقدمة للنهضة؟.
أركون تجاوز الثمانين وهو يثرثر حول مشروعه لنقد الكتب المقدسة والمتعالي في كل الأديان، ولما مات لم نجد في تلك الثمانين مساً لأي مقدس سوى القرآن والسنة، ولا لأي دين سوى الإسلام.. أقلام محيرة لا تجرؤ على نقد الكتاب المقدس المسيحي أو اليهودي مع أنه تراث عربي.. لا تجرؤ حتى على تناول تراث بقية الطوائف.
كتابات أمثال أركون والعظم وهاشم صالح وأدونيس الفكرية أحيلت إلى المتاحف كما أحيلت الشيوعية من قبل.. كانت رغوة من الإنشاء الفائض عن الحاجة.. كتابات كرست وقاحتها على النص الإسلامي (القرآن والسنة) فقط، بل جعلت تنحيته أو تهميشه والتشكيك فيه شرطاً للنهضة. البوعزيزي أنجز ما أنجزه عصر النهضة الأوروبي، فأحال أولئك الحكواتية إلى المخازن.. كشفت عربة خضاره أنهم مجرد سدنة للقرون الوسطى العربية وملهمو محاكم التفتيش العربية ومبدعو البؤس والشقاء العربيين.. البوعزيزي أيضاً فضح كُتّاب 11 سبتمبر المتصهينين الذين ظهروا كمخبرين ضمن حاشية بوش.. وظيفتهم تحويل كل جميل في الإسلام إلى إدانة.. عندما أتأمل السودان (الذي استمات الغرب منذ أعلن تحكيمه للشريعة للتآمر عليه وإفقاره ونهب ثرواته واعتقال رئيسه) أتساءل من كان يظن أن بن علي ومبارك والقذافي العلمانيين سيسقطون قبل البشير الإسلامي الذي يطارده الغرب المتصهين ووراءه خادمه أوكامبو الذي عجز حتى أن يرمق مجرمي إسرائيل بنظرة عتاب؟.
حقيقة علمية تجريبية أسقطت الكتاب المقدس في كل أوروبا، وأنتجت حداثيين حقيقيين ينعم العالم بمنجزاتهم المادية، بينما عجز هؤلاء الإنشائيون العرب منذ قرنين عن الصمود أمام القرآن أو حتى تقديم حقيقة علمية تناقضه، لذا تحولوا إلى كتاب بوليسيين، وحتى في هذه المهمة أثبتوا فشلهم، فتقاريرهم البوليسية التي يسمونها تنظيراً جرت أنظمتهم إلى حتفها، لأنهم أجهل الناس بالحداثة الحقيقية والنهضة العلمية وحاجات شعوبهم.. لم يشغلوا أنظمتهم بالعلم والرقي، بل أشغلوها بالتحريش على أهم أسباب بقائها.. أشغلوها بتفكيك سر تلاحمها بشعوبها.. أشغلوها بالتخويف من الإسلام وتجفيف منابعه، حتى أصيبت تلك الأنظمة بداء الهشاشة، ويكفي لإدراك هشاشتهم.. أن بائع كوسة فقير قضى عليها وعلى ومفكريها، وأحال كتابتهم إلى مخازن المتاحف لا واجهاتها.


1
خالد الحجي
2011-12-10 15:02:11الأستاذ محمد الصوياني.. لا فُض فوك ولا كُسر قلمك..
ولكن العنوان الأفضل "مفكرون عرب الى مزبلة الأدب".
قال تعالى: (إنه فكّر وقدر فقُتل كيف قدر) ومَن لم يهده تفكيره الى الحق فلا خير فيه، ورأس الحِكمة مخافة الله.
2
ام سعد
2011-12-10 04:53:39كلام عميق.. ورؤية متفحصة.. ورأي سديد..
أشكرك على هذا الطرح المثير.
3
المدحدر
2011-12-09 22:14:25أركون أعماله مصنفة في إطارين نظريين (الإسلاميات المطبقة) و(نقد العقل الإسلامي) الأولى استمدها من مفهوم العقلانية المطبقة الذي بلوره المؤرخ الفرنسي غاستون باشلار في حقل الإبستمولوجيا، أما الثانية استمدها من كتاب الفيلسوف الألماني الشهير إيمانويل (نقد العقل الخالص) وهي منهجية طبقت على النصوص المسيحية
4
نصووور
2011-12-09 20:21:33اشكرك على هذا المقال..
فهو مستنسخ تماماً من ما افكر فيه حول هذا الموضوع
5
المستقبل المشرق
2011-12-09 20:18:39لقد سقط العلمانيون والمتلبرليون واشياعهم في هذه السنة المباركة سنة 2011
6
عبدالعزيز محمد11
2011-12-09 17:21:27لله درك , مشكلة المفكرين العرب انهم لم يتصالحون مع شعوبهم ولا مع الشعوب الاخرى "نظراتهم استعلائيه على العالم أجمع"
7
سعد الوهبي
2011-12-09 16:37:07بارك الله فيك وفي توجهك الوسطي ونقد الموضوعي
انت من القلائل الذين يقولون الحق وبه يعدلون
8
مصراوي الرياض
2011-12-09 15:46:27من الناحية دي فيه ناس كتير المفروض انها تنقرض من على وجه الارض... بيكتبوا ويقولوا ثورات حرام وانتخابات حرام وديموقراطية حرام والخ الخ
9
ابوابراهيم
2011-12-09 15:35:47حبيبنا لو رجعوا لكتبو ضد الأسلام قواد الجيش التركي يقولون نحن نعلم أن الإسلام سوف يحكم تركيا في يوم من الأيام ولكننا لانريد أن نرى ذلك بأعيننا هم يعلمون أن الإسلام منتصر بإذن الله ولكنها العداوة حيي إبن أخطب يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم أما إني أعلم إنك رسو الله ولكن من يخذل الله يخذله ولم يسل
10
عبدالرحمن
2011-12-09 15:11:21لله درك والله إني أحرص على قراءة مقالاتكم وهذه اختصرت مئات السنين وأبرزتها في صورة ناصعة يميز خبيثها وطيبها وتنكشف عورات وتطير الرغوة بنفخها. جزاك الله خيرا عن حمل هموم أمتك.
11
خالد
2011-12-09 14:03:42تسلم ايدك