"متسبب" مهنة دارجة في المجتمع، وتعني أن الشخص لا يملك عملاً رسمياً أمام الجهات الحكومية، ورغم ذلك يحرص عليها الكثير لتسهيل إجراءاتهم، أو تحقيق مكاسبهم الخاصة؛ بحجة أنها تفتح مجالات واسعة للبحث عن أسباب الرزق.

ولا تزال كلمة "متسبب" ومنذ أكثر من (70) عاماً تدوّن في السجلات المدنية للمواطن، بل ولا تزال موجودة في أجهزة الحاسب، والسؤال هنا: لماذا لا يتم تعديل هذه الكلمة إلى مسميات العمل، أو التخصصات التي يتقنها الشخص؟، فمثلاً لماذا لا يُكتب مهنته الأساسية "بائع" أو "معقب" بدلاً من "متسبب"، حيث لم تعد هذه الكلمة مناسبة للعصر الذي نعيش فيه، وهنا تبرز الحاجة إلى التطوير أكثر من ذي قبل.

علّة التسمية تعود إلى الخوف من ألقاب مسيئة و«عيارات» تنتهي إلى عدم الزواج

بحث عن الرزق

في البداية قال "د.نواف بن بداح الفغم" -عضو مجلس الشورى-: إن كلمة "متسبب" تعني في المصطلح العام تصنيف فئة من أعمال المواطنين، وهم الذين ليسوا موظفين حكوميين سواء مدنيين أو عسكريين أو في القطاع الخاص، مضيفاً: "لو نظرنا في أصل الكلمة لوجدنا أن أصلها متسبب وتعنى فاعل السبب"، مشيراً إلى أن هذه الكلمة كانت تعني فيما مضى الجهد في البحث عن أسباب الرزق، وقد قيل "فلان وش يعمل"؟، أو "فلان وين راح"؟، فيكون الرد على هذا التساؤل: "راح يتسبب" أي ذهب لطلب الرزق، داعياً إلى تثبيت هذا المصطلح وهذا التصنيف وإبقائه كما هو في الدلالة على عمل أو وظيفة معينة أو حالة خاصة كما هو في الأحوال المدنية، مع إجراء بعض التطوير على هذا المفهوم بما يتلاءم ومتطلبات العصر من حيث المسميات والتصنيفات الدولية.

طبيعة مجتمع

وأكد "د.عبدالرحمن الهيجان" -رئيس لجنة الموارد البشرية والإدارة وعضو مجلس الشورى- على أن هذه التسمية لابد أن تستبدل بمسميات تناسب كل ما يمتهنه الشخص، مضيفاً أن هذه التسمية -على حد قوله- لا توجد إلاّ لدينا فقط، مبيناً أن هناك وظائف تتعلق بالبر، وهناك وظائف تتعلق بالبحر، وتفسيري لظهور مهنة "متسبب" أن مجتمعنا مجتمع ذو سمعة محمودة؛ لأننا بطبعنا لا نحب أن نعمل "سباكين" أو "نجارين" أو "خبازين"، وبالتالي ظهرت كلمة "متسبب" لكي تكون غطاءً لمثل هذه المهن، منعاً للحرج؛ لأن ذلك سيترتب عليه أشياء كثيرة منها مثلاً الموافقة على الزواج أو رفضه.

تسمية محرجة

وذكر "عمر الحمراني" أن والده توجه به حين كان في (18) من عمره إلى موظف الأحوال قبل نحو (40) عاماً لكي يستخرج له "حفيظة نفوس"، مضيفاً أن الموظف سأل والدي عن عملي فأجابه أنني أرعى الأغنام، فما كان من الموظف إلاّ أن تسجل كلمة "راعي أغنام" أمام خانة المهنة، مشيراً إلى أنه حاول التخلص من هذه التسمية التي أحرجته كثيراً واستمرت في سجلاته وفي جواز سفره إلى وقت قريب، على الرغم أنه لم يمارسها إطلاقاً إلاّ في بعض الأحيان، مؤكداً على أنه يخجل من إخراج إثباته سواء لدى الجهات الرسمية أو الأشخاص أو حتى أقربائه؛ بسبب هذه التسمية في جميع إثباتاته، معتبراً أنه كان يبحث عن كلمة "متسبب" وبذل جهداً كبيراً لإضافتها، لكنه عجز في النهاية، موضحاً أنه لم يتخلص من هذه الكلمة إلاّ مؤخرا، لافتاً إلى أنه من المواقف الطريفة التي مرت به مع هذه التسمية حينما كان مسافراً إلى إحدى الدول العربية، وفي أثناء دخوله المطار، سأله أحد الضباط عن مسمى المهنة بعد قراءته لها في الجواز، معتقداً أنه من كبار تجار المواشي والتصدير، حيث سهّل إجراءاته وتقديمه على غيره من المسافرين، مؤكداً على أن هذا الموقف يُعد الحسنة الوحيدة التي يذكرها لهذه التسمية!.

إخلاء طرف

وأوضح "إبراهيم بن اسماعيل" أنها مهنة من لا مهنة له، أو من لا تنطبق عليه أي مهنة رسمية، مضيفاً أنه قبل أكثر من تسع سنوات تقاعدت عن العمل مبكراً حسب النظام الجديد للتأمينات الاجتماعية، ولكوني لم أبلغ من العمر (50) عاماً وهو سن التقاعد المبكر لدى الشركة التي أعمل لديها، فقد أعطتني "إخلاء طرف" كمستقيل وليس كمتقاعد، وعندما ذهبت إلى مكتب الأحوال المدنية لتغيير المهنة إلى متقاعد لم يقبلوا بذلك، كون خطاب الشركة لم يشر إلى أنني كذلك، مبيناً أن موظف مكتب الأحوال سأله: هل أنت على رأس عمل جديد حالياً؟، فقلت: لا، ليبادرني بسؤال آخر عن ممارستي الأعمال الحرة، فأجبته بالنفي، ذاكراً أنهم طلبوا مشهدا على نفسه يتم مصادقته من "العُمدة" لكي يتم تغيير مهنته إلى "متسبب"، ليأتي بما طلبوا، مشيراً إلى أن الفرق بينه وبين أولئك المتسببين هو أنه يتقاضى راتباً تقاعدياً بدون عمل، بينما هم يعملون بدون راتب.

وذكر "محمد المطيري" قصة حصلت لوالده حينما كان شاباً صغيراً قبل أكثر من (50) عاماً، حيث لم يكن يعمل عملاً واضحاً، فكان لزاماً عليه تسجيل اسم لمهنته، ليختار مهنة "مؤذن مسجد"، والتي بقيت معه حتى عهد قريب، لافتاً إلى أن هذه التسمية حرمته من كثير من الخدمات مثل الضمان الاجتماعي.