صدر للأديب أبي عبدالرحمن بن عقيل الظاهري من سلسلة حديث الشهر، الكتيب الثالث عشر الذي تناول فيه جانبين رئيسيين أولهما الشطح الصوفي ومعنى المعنى من وراء وراء، أما الموضوع الثاني فجعله ابن عقيل عن أصول الشعر العامي بنجد.. بينما حمل الكتيب الرابع عشر من السلسلة خمسة موضوعات جاء أولها بعنوان: ما السلطان الذي يريده ربنا؟ وثان عن مجموعة مونتاي، أما الثالث فجاء عن صنم ألبير كاموإيفان (الإخوة كارامازوف) ليعقبه المؤلف بموضوع رابع عنونه بتساؤل مفاده: هل التحرير بمعنى الكتابة؟! ليختتم موضوعات هذا الإصدار بموضوع جعله استراحة مع الشعر العامي.. حيث جاء الإصداران عن دار ابن حزم للنشر والتوزيع.

وعن الإجابة على تساؤل أبي عبدالرحمن عن: هل التحرير بمعنى الكتابة؟ يقول: هذه من المسائل التي دار بيني وبين الشيخ ابي تراب الظاهري، وذلك عندما اطلعت على كلمت نشرت في الصحافة لأبي تراب يورد فيه أن الأستاذ أحمد محمود رئيس كتبة المدينة، ولا يقول : رئيس تحريرها، لأن التحرير لا يعني ما يعنون، ويضيف ابن عقيل قوله: شيخنا أبو تراب لا يؤخذ بجريرة الوهم، أو الجهل، أو العجز إذ حقق ودقق.. ولو أظهر موزونه أسفارا يطالعها الناس لكان المعاصرون عيالا عليه في التحقيق، ولكنني أخشى أن يكون شيخنا أصدر هذه الفتوى اللغوية ارتجالا دون بحث.. ولقد تناولت أدنى وأعلى كتاب في اللغة فوجدت أن المقتضى لتسمية الكاتب محررا والكتابة تحريرا، ولم أجد المانع.. ولا يجوز التحرير كما يعلم شيخنا إلا بتخلف المقتضى ووجود المانع معا، والمقتضى هنا أن التحرير مصدر حرر والاسم الحرية، والمفترض في أهلية الكاتب أن يحرر البحث عن عبودية الوهم، والاختلاط والغموض والنقص والفضول، فجاز أن يسمى الكاتب محررا بالبناء للفاعل، ,ان تسمى حرفته الكتابة تحريرا، وأن يسمى المكتوب محررا بالبناء للمفعول.. وقد درج العلماء على أخذ أسماء بعض مؤلفاتهم من هذه المادة فسمو المحرر والتحرير، واشترط في علمي الجدل والقضاء تحرير الدعوى كتابة ومشافهة، واشترطوا تحرير محل النزاع، ووصفوا بعض المباحث بأنها غير محررة.. وشيخنا - رحمه الله - يعرف أن سعة اللغة في مجازها إذا صحت علاقة التجوز، فإذا صحب العلاقة المجازية سعة الاستعمال على ألسنة العلماء والبلغاء كان لذلك حكم اللغة المنقولة.


غلاف الإصدار 13

ويضيف ابن عقيل قوله: هذا هو المقتضى، فإن كان عند الشيخ ما يمنع فأرجو أن يتفضل مشكوراً، لنتلافى لحنا يدور على ألسنتنا ولا تكع عنه أقلامنا، وأرجو أن يطارحنا الثناء بثناء، والإكبار بإكبار، لتبقى القلوب عامرة بالود.. وإن لم يكن عند الشيخ ما يمنع فالانقياد للحق أحق، وأنا في هذه العجالة عدوت طور التلميذ المتلقي إلى طور الند المعارض.. وفي الحقيقة فأنا لا أزال تلميذه الأصغر على الرغم مما شأوته من أحدوداب في الظهر، وتقوس في المرفقين، وإعياء في الركبتين مع شعيرات بيضاء تتألق في الفودين والعارضين.

ليأتي تعقيب الشيخ أبو تراب الظاهري على أبي عبدالرحمن ابن عقيل بما جاء منه نصا: أبي خليلنا الوديد، الفاضل اللوذعي أبو عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري إلا أن يجدد بنا العهد، ويصل لنا الحبل، ويتحف القراء (وهو في تنوفة نائية من أعماله) بسائك اللجين من أحاديثه وأقواله، أو هي أساجع الحمائم وهديل الورق على غصون الأيك.. ولئن أنذر ما وخط فوديه وعارضيه من الشيب فإننا نتعلل بأبيات قالها إمام أهل الحديث الذاب عن سنة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، خناق كل مقلد على وجه الأرض ابن حزم الأندلسي رحمه الله تعالى التي يصف فيها المشيب.. أما ذهاب وهله إلى أني ربما ارتجلت عدم تسويغ لفظة التحرير دالا على الكتابة ذاتها (الصواب نفسها) فلعمري أنه لترجم أخطاء فيه صاحبي الإصابة، فراح ينتضي الحجج لجداله، ولم يحاذر أن تفرك، ولكن لكل أكولة مرعى، فإذا أنبلج الحق ووضح البرهان ركب هو ناقته وانشعب، وعلم أن دعواه كاذبة والعياذ بالله.. ذلك لأن تحرير الدعوى عند الفقهاء معناها أيضا تخليصها من الشوائب الباطلة، والمحرر أيضا من الكتب هو الذي خلصه صاحبه من الزيادات مقتصرا على اللب، وكذلك تحرير المسائل، وكل ذلك لا يعني الكتابة أصلا، وإنما يعني التحسين والتقويم والتخليص والتجويد، والعوام هم الذين يستعملون التحرير بمعنى الكتابة.


غلاف الإصدار 14