في ساعة من ساعات الخلوة الخطيرة بين (ماعز بن مالك) وإحدى الفتيات تلاشت كالعادة مقاومة الشباب، فحدث ما حدث. علم صاحبه (هزال)، فأدخل الرعب في قلبه، بأنه إن لم يعترف فقد تنزل فيه آية قرآنية تفضحه. ففضل إبن مالك الاعتراف. ولما وقف ماعز أمام أعدل الناس وأتقاهم وأغيرهم على محارم الله، فتح عليه السلام له عشرة أبواب وأكثر، وكأنه يقول انطلق يا ماعز من أيها شئت. قال رضي الله عنه:(يا رسول الله إن الآخر قد زنى (يعني نفسه)؟ فأعرض عنه، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله فقال: يا رسول الله إن الآخر قد زنى؟ فأعرض عنه. فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله، فقال له ذلك؟ فأعرض عنه، فتنحى له الرابعة – البخاري ).
تأمل ماعز تلك الأبواب الأربعة، فأدرك أن آية لن تنزل لتفضحه، وأنه لن يسجن أو يجلد ليعترف، وأنه لن يلاحق، ولكنه اكتشف رحمة هذا النبي الغامرة فكيف برحمة الله! شعر أن نبيه عليه السلام غير متعطش لدمه.. غير متلهف لعقابه بقدر ما هو متلهف لهدايته، فهانت العقوبات وهانت الدنيا في عينه، وأحس بروحه ترفرف في رحاب الله وطلب عفوه.. شعر أن كلمات حبيبه تبنيه إنسانا آخر، فأراد أن يتخلص من ذنبه إلى الأبد، فقال: طهرني. فقال عليه السلام: (ويحك، ارجع فاستغفر الله وتب إليه. فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني. فقال: ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه. فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني. فقال النبي مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيم أطهرك؟ فقال: من الزنى. فسأل رسول الله: أبه جنون؟ فأخبر أنه ليس بمجنون. فقال: أشرب خمراً؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر- صحيح مسلم) هذه خمسة أبواب! فقال صلى الله عليه وسلم: (لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟ البخاري) حتى هذه الأبواب لم تغره.
عندها لا بد من تطبيق أمر الله، فأمر به فرجم، فتكلم الناس: (قائل يقول: لقد هلك، لقد أحاطت به خطيئته. وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز مسلم) (فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جلوس فسلم، ثم جلس فقال: استغفروا لماعز بن مالك. فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم- مسلم). لم يطلب عليه السلام إحضار الفتاة ولم يسأل عنها، لكن الصحابة أخبروه أن ماعزا حاول الهرب، ففتح باباً إضافياً ولكن للدولة أو الجهة التي تنفذ العقوبة قائلاً: (هلا تركتموه صحيح أبي داود للألباني) لأنه لا شهود عليه سوى نفسه، ثم توجه لهزال ناصحاً فقال له: (لو كنت سترته بثوبك كان خيرا لك أحمد بسند قوي) خيراً لك؟.
أجل فتبليغ الهيئة أو الشرطة وغيرهما من الجهات الرسمية ليس من السنة، إلاّ إذا جاهر أو أفسد الناس، لأن في المجاهرة إفساد للمجتمعات وتحد للأنظمة، وما وضعت الهيئة والشرطة إلاّ لحماية المجتمع، ونبينا صلى الله عليه وسلم كان يريد بناء المجتمع لا بناء السجون وملأها بالجلادين، رغم أن السجون وزنازين التعذيب ومحاكم التفتيش كانت جزءاً أصيلاً من ثقافة الفراعنة والروم والفرس من قبله، لكنه لم يبنها بل قال: (إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا مسلم).. كان عليه السلام يأخذ عقول وقلوب المذنبين إلى أماكن أنظف وأرحب. نبينا لم يكن مثالياً، بل كان ضارباً في جذور الواقعية، لأنه يضيء الإنسان من الداخل وعياً برحمة الله وخوف عذابه، ويحكمه من الخارج بنظام عادل يساوي بين الناس دون تفريق، حتى أقسم يوماً: (وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها البخاري)؛ لذا نعم الناس في عهده بأمن لم يعرفوه من قبل، رغم أن نصف شعبه كان في يوم من الأيام من اليهود والمنافقين.


1
أبو ناصر
2011-10-07 21:04:47أود منك يا أخي محمد :أولا أن تترضى عن الصحابة جميعا
ثانيا الهيئة تستر كثيرا مما تعلن وما سترت أعظم
ثالثا لنك عونا للهيئة فكلنا هيئة (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)
ولولا الهيئة لكانت أمور لاتحمد عقباها
2
متابعة
2011-10-07 19:49:35اللهم صلّ على نبيك محمد وآله وسلم
شكر الله لك، وزادك مما تأمل الكثير
3
mutrik
2011-10-07 19:40:35مقال اعجبني كثيرا
شكرا لك
4
المستقبل المشرق
2011-10-07 19:34:03الله اكبر
ماشاء الله عليك مقال رائع
5
محمد يلعب كورة
2011-10-07 16:49:34اللي تسويه الهيئة حاليا غير مفهوم ابد ولا ندري من وين جاء!! مهمة الهيئة هي الامر و النهي وليس فضح العالم و الخلق مهما فعلوا ما دامو لم يجاهروا.. هذا منهج الرسول صلى الله عليه و سلم فمن اين للهيئة بهذه الجرئة في ملاحقة السيارات و صدمها... الخ !!
وين جابوا هالشي منه ؟؟ ودي اعرف
6
المدحدر
2011-10-07 16:42:23يا استاذ محمد الحين بيجيك واحد مطفي النور ويقولك لو سوينا مثل ما تقول كان خربت الدنيا !!
مشكلة الناس اليوم ماعندهم وعي بالسيرة ويحسسونك انهم أحرص من الرسول على الدين.
7
saad madi
2011-10-07 16:39:12صورة للهيئة مع التحية.
8
الرأى الأخر
2011-10-07 15:59:00لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها حديث شريف وفى حديث أخر يخاطب فيه الرسول الكريم عائشه رضى الله عنها عندما أتهمت بالزنا مع صفوان مفاده ( إذاكنتى فعلتى فاستغفرى لذنبك وإن لم تفعلى فسيبرئكى الله ) والسؤال هل الإستغفار يجب ذنب الزنا ولا يجب ذنب السرقه مع أن عقوبة الزنا أغلظ وأعنف ؟ أما أن الأوان أن نتوقف عن سرد الأحاديث ذهابا وإيابا ونعتمد على ماهو إنسانى وفطرى فى التوجيه والتوعيه ؟... أشكرك وأتمنى لك الخير كله
9
نورالحقيقة
2011-10-07 14:36:16أحسنت بارك الله فيك
10
ابو ابراهيم
2011-10-07 13:54:30أستاذذنا الفاضل كلام جميل ولكن لديك أشخاص لايعترفون برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تعلم ذلك يستهزؤن به عليه الصلاة والسلام وبصحابته هي موعضة جميلة ولكن التطبيق فيه صعوبة وتحتاج الى رجال أمثالكم نحسبكم والله حسيبكم والله إني أفرح بمقالاتكم لأنها تنير القلوب بورك فيكم