من يراقب المشهد العربي العام، سيلحظ أن الحديث عن الإصلاح قد تراجع بشكل جلي. وهو تكرار لمشهد موسمي فعلاً. تستيقظ فئة من المجتمع على نشوة الإصلاح، تتحدث، تطالب، تشدد، تمل، فينتهي الموسم إلى حين مناسبة أخرى.

وهذا ما جرى في موسمنا الحالي. إذ تعالى صوت الإصلاح في النصف الأول من العام مع موجة التغيير في المنطقة، وانتهى كل شيء، رغم أن أشهراً عدة مضت على الوعود الرسمية.

هي موضة للأسف، والحكومات تعرف ذلك، وتتعاطى معه على ضوء هذه النتيجة المبنية على حالات تتكرر ولها مواسمها. وفي موسمنا الحالي خان الذكاء بعض البلدان العربية، التي شهدت تغييراً فعلياً، أو ما زالت تسبح في بحر الدم.

لكن تساقط المستحيلين في المنطقة لم يغير من معظم البلدان. رغم توافر الفرص لأن تتغدى الأنظمة بالثورات قبل أن تتعشى بها، من خلال المسارعة إلى إعلان ما يصبو إليه المتفقون على وجود الخلل في إصلاحه. وبذلك تكون قد قطعت الطريق على المطالبين بالإصلاح. على الأقل، الدعاة المعتدلين منهم.

وما يجري اليوم ومنذ سبعة أشهر، هو انتقال طبيعي لعدوى الثورات الشعبية، حتى وإن كان بطيئاً في الأشهر الثلاثة الأخيرة، لكن لا يشير إلى النهاية القريبة. وللأسف، لم تلتقط بعض الأنظمة العربية الإشارات كما يجب، ولم تُشعر جمهورها بجديتها وفاعليتها في تحقيق مطالب الإصلاح، وردعها لأي تطور سلبي يضر بالنظام. ربما لسبب بسيط، أن النار مازالت تحت الرماد لا يراها، ولا يشعر باشتعالها تحت قدميه.

العجيب، أن الحكومات تعترف بجوانب القصور، وتكشفها علانية، وتعد بمعالجتها، وفي ذلك كله إقرار بمشكلة كبيرة، وتشجيع، من حيث لا تشعر، لمن ينادي بالإصلاح أو حتى المترديين، على الاستمرار بمطالبهم.

وعندما تعود الأنظمة إلى البرود بعد الوعود، وتختفي أدوات تحقيق ما وعدت به، تفقد المصداقية تماماً، كما جرى مع الأنظمة العربية المتداعية. وحينها لايمكن الإبقاء على سقف المطالب في حدوده السابقة. فمع تداعي مصداقية الأنظمة تدريجياً، يرتفع سقف المطالب إلى حدود لا يتخيلها القائمون على أنظمة الإصلاح الموعودة. ومتى ما كانت الحالة الاقتصادية على غير ما اعتادت عليه الشعوب، بسبب انخفاض مداخيل البلاد وتراجع نظام الصرف الرعوي، فحينها لايمكن تخيل ردة الفعل على الأرض.

واليوم، وبعد مرور سبعة أشهر على سقوط أول نظام عربي، كيف يبدو المشهد؟ لا شيء، فسياسة شراء الوقت تجدد نجاحها عربياً. والمنادون بالإصلاحات عادوا إلى قواعدهم سالمين، على أمل اللقاء قريباً في ظروف أفضل..