من يصاب بالهلع من النقد يتناسى أن نبينا عليه السلام أيد نقد أشد الناس عداوة له.. أصغى ليهودي انتقد صحابته قائلاً: (إنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة؟ فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، ولا يقولوا: ما شاء الله ثم شئت - صحيح النسائي للألباني) لم يقل لليهودي: من أنت حتى تنتقدنا؟ أما السخرية، فلا تخيف إلاّ من لا يعي هذا الدين، ولا يدرك عمقه وسر قوته.
فقبل 80 عاماً كنت تجد جنديا غربياً فوق كل شبر عربي إسلامي، إلاّ تلك التي كان يجددها عبدالعزيز ورجاله بشرع الله.. جنود غربيون يمارسون السخرية والقتل والنهب والتنصير، لكن ثم ماذا؟ ها هم أحفادهم المتعصبون يصيحون: أوقفوا أسلمة أوروبا.. أوقفوا أسلمة أمريكا.. أوقفوا أسلمة العالم!.
ذات يوم كان قائد الدولة الإسلامية عائدا من تبوك، في صيف ملتهب وعطش وجوع، وجيش متواضع التجهيز، وفي الطريق أطلق بعض المستهزئين كلمات تصف الصحابة عليهم السلام بأنهم أكذب الناس وأجبنهم، وأكثرهم شغفاً بالطعام! متجاهلين أن الجبناء لا يخرجون لصد جيش روم، أوله في تبوك وآخره في أوروبا. لكن جيش الإسلام كان يشع إيماناً وفداء، لدرجة أن جواسيس الروم قدموا تقارير جعلت قادتهم يفضلون الانسحاب خشية أن تتحقق نبوءة هرقل بزوال ملكه من الشام.
وقبيل وصولهم للمدينة حدث شجار بين مهاجري وأنصاري إثر مزاح ثقيل، فوجدها المعارض (ابن سلول) فرصة لتفجير الفتنة بعبارات وصف بها النبي والمهاجرين عليهم السلام بالذلة، وسجلها القرآن فقال: (يقولن لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل)، لكنه النبي أطلق أولئك الساخرين وهؤلاء المهددين في مساحات الحرية، لكنهم أغبياء لم يستثمروا فيها سوى السخرية، التي حطت من شأنهم، فقد تجاهل عليه السلام أسوأ منها طوال 13 عاما في مكة، وسمع في المدينة الكثير فزادته ثقة وإيماناً بربه وانشغالاً بتشييد دولته بالعدالة لا بالقمع، فالسخرية انحطاط لا يستحق السماع، فضلاً عن الاستماع، ولذا يقول سبحانه: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره).
التاريخ يعيد نفسه، فالإسلام يُسلخ سخرية واستهزاء منذ أربعين عاماً على يد ذلك النظام ومثقفيه.. سخروا من الله عز وجل ومن أحكامه ومن نبيه وصحابته صلى الله عليهم، ووزعوا من يدافع عن دينه بين المنافي والسجون، فظن الناس في الخارج أن الأمر انتهى للساخرين، لكن الشام اليوم زلزال يقتلع النظام من جذوره، فتنخلع قلوب مثقفيه في فرنسا وأمريكا.. الغرب والشرق يلعن قتلة الخدج ومثقفيهم.. العالم كله يدينهم (عدا إسرائيل وإيران) العالم يقف لهذا الشعب إجلالاً وهو يشرق كالشمس من المساجد كل جمعة، ويتدفق كالنور بعد كل تراويح.. يهلل ويكبر من دون أن يشتم طائفة أو يسخر من دين، وكأنه يستلهم سيرة نبيه عليه السلام وهو يتلقى من ربه: (إنا كفيناك المستهزئين)، أما هذا النظام فلا يدري أنه يقدم دورة مكثفة في تجديد التدين من دون أن يشعر، فالشباب هناك لا عشق لهم سوى التزين للحرية أو الشهادة، من دون أن يرتكبوا محرماً بتفجير، أو يتورطوا بقتل أبرياء، بل من دون أن يحملوا سلاحاً.
إنها دورة لو يعلم الغرب عواقب استمرارها لأطاح بالنظام في ساعات.. ذلك النظام الذي لم يع أن كل مأجور، أو كتاب، أو مسلسل، أو مسرحية، وظفها للسخرية من الإسلام كانت استدعاءً لمشاعر التدين واستفزازاً لطاقتها.


1
المستقبل المشرق
2011-08-13 04:46:38كل مستهزئ بالدين وعلمائه سيكون مصيره مثل مصير البعثيين في سوريا باذن الله
وبخاصة الساخرين والمتشدقين بالداخل
2
*ندى الشهري*
2011-08-12 23:01:37للهِ درك وجزاك الله جنان الفردوس
على مقالاتك الرائدة والتي تصب في الصميم
وتحمل هم المسلمين في كل مكان وزمان...
واصل سدد الله خطاك لكل خير...
ونصر الله المسلمين في سوريا وفلسطين ولبيبا
والصومال وكل مكان...
3
أبو تميم
2011-08-12 22:58:37النقد البناء مطلوب يا أستاذ محمد،، ولكن طاش سخروا بطريقة مخزية لا يمكن أن تكون نقدا بناءا بل هو إيغار للصدور.. والله المستعان
4
عبدالعزيز الفوزان
2011-08-12 20:09:03جزاك الله خيرا على المقال الرائع
نسأل الله ان يفرج عن اخوتنا في سوريا وليبيا
علينا ان نبتهل الى الله بالدعاء في هذا الشهر الكريم لنصره اخواننا المسلمين الموحدين
اللهم اهلك الظالمين بالظالمين
5
ريم محمد عبدالله
2011-08-12 12:13:32حسبنا الله ونعم الوكيل على قتلة اخواننا السوريين.اصبروا وصابروا ورابطوا والنصر قريب إن شاء الله. ان ينصركم الله فلا غالب لكم.
ولرب نازلة يضيق بها الفتى...ذرعا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها... فرجت وكنت اظنها لا تفرج.
6
بندر ابن حرب
2011-08-12 12:01:06انها اخلاق الرجال التي تضيق بالنقد.. النقد هو المرآة التي تعكس الواقع بدون تزيين او تزييف.. لا يضيق بالنقد الا المخطئ. اما المصيب فلا يضيق بالنقد.. بالعكس هو من يبحث عنه.
7
ضيف الله العطوي
2011-08-12 11:42:47لله درك استاذنا الفاضل مقال متميز كعادتك ولكن اعتقد ان مقولة ابن ابي سلول بعد غزوة بني المصطلق
8
بدراباالعلا
2011-08-12 10:01:50سؤال يطرح نفسه !
برنامج مسابقات ( طارق وهيونه ؟) على mbc
لماذا المتصلون على البرنامج من السعوديات الاناثي!
يختارون من الغرف { المطبخ ! }
جد عرفت من هذا التصرف أنهن يبدعون في فنون الطبخ !
وسياستهن في ذلك : قلب الرجل في معدته ؟