140 يوما في الفضاء الكوني (بين 15 يونية و 2 نوفمبر 1978) عاشها أول رجلين في العالم منذ بدء الخليقة، وهما الرائدان السوفياتيان لينوك و ايفا نتشينكو.

هذا الحدث التاريخي لم يحظ في عالمنا العربي بالاهتمام الذي يستحقه مع انه بأهمية اكتشاف الكهرباء وانشطار الذرة وغيرها من المنجزات العلمية التي بدلت حياة الإنسان على الأرض تبديلا جذريا.

وانطلاقا من أهمية توفير المعلومة القديمة والجديدة لعشاق التقنية والمعلوماتيه رأيت ان أترجم لكم ما كتب عن هذه الرحلة المثيرة والايام التي قضاها الرواد في الفضاء.

المختبر الفضائي

تميزت هذه الرحلة الفضائية الأولى من نوعها بتعقيدات تقنية وعلمية كبيرة جرى حل معظمها بنجاح، واشترك فيها ثلاثة أنواع من المراكب الفضائية: المحطة الفضائية (ساليوت-6) نواة المختبر الفضائي الذي تكون في الفضاء طوال ايام الرحلة، بطول حوالي 30 مترا ووزن 32 طنا وهي ما زلت تدور حول الأرض في انتظار مهام جديدة.

والسفن الفضائية (سويوز) التي اطلق منها خلال الرحلة سبع سفن هي على التوالي سويوز 25/26/27/28/29/30/31. وهي حملت 14 رائدا فضائيا من بينهم رواد من تشيكو سلوفاكيا وبولونيا والمانيا الديمقراطية.

والشاحنات الفضائية الاوتوماتيكية (بروغريس) التي اطلق منها ثلاث شاحنات، فهي عملت على تزويد الرواد بالمؤن والوقود ومياه الشرب وغيرها من الحاجيات الضرورية، وهذا النوع من المراكب الفضائية يتلاشى في الفضاء بعد انجاز مهمته.

ماهي المراحل الأساسية للرحلة التي شبهتها المصادر الغربية ب(راقصة الباليه الفضائية)؟

في 29/9/1977 اطلقت المحطة الفضائية (سالبوت-6) من القاعدة الكونية في بايكونور، وتم وضعها في مدار حول الأرض على علو 275 كلم.

وفي أكتوبر اطلقت السفينة الفضائية (سويوز-25) بقيادة الرائدين السوفياتيين كوفا لينوك وريومين، لكنها فشلت بالالتحام بالمحطة الفضائية فعادت إلى الأرض.

بعد دراسات وافية لاسباب فشل التجربة الأولى (اطلقت سيوز -26) بقيادة الرائدين السوفياتيين غريتشكو ورومانيكوم اللذين نجحا في الاتحام بالمحطة الفضائية يوم 11 ديسمبر.

وفي 11 يناير من العام التالي اطلقت (سويوز- 27) بقيادة الرائدين السوفياتيين نجانيبيكو و مكاروف والتحما بسفينتهما بمقدمة المحطة الفضائية، بقيا مع زميليهما لمدة أربعة ايام ثم عادا إلى الأرض على متن (سويوز-26).

وفي 20 يناير اطلقت الشاحنة الأولى (بروغريس -10) التي التحمت بمؤخرة المحطة الفضائية، وبعدما أفرغت من محتوياتها انفصلت عن المحطة في 6 فبراير ثم تلاشت في الفضاء.

المحطة الفضائية

في 3 مارس نجحت (سويوز-28) بقيادة السوفياتي غوباريف والتشيكوسلوفاكي ريميك في الالتحام بمؤخرة المحطة الفضائية، وبعد أسبوع عادا الأرض على متن (سويوز-27).

وفي 17 يونية (التحمت (سويوز-29) بقيادة الرائدين السوفياتيين كوفالينوك وايفانتشينكو بمقدمة المحطة الفضائية. ومنذ هذا اليوم بدأ الرائدان يستقبلان الزوار من الأرض وشاحنات التموين بهدف تأمين أفضل الظروف لحياتهما وعملهما في الفضاء الكوني.

في 28 يونية نجحت (سويوز-30) بقيادة السوفياتي كليموك والبولوني هيرما تشيفيزكي في الالتحام بمؤخرة المحطة الفضائية. وعادا إلى الأرض في يوم 5 يولية على متن سفينتيهما نفسها.

وفي 7 يولية انطلقت (بروغريس-2) ونجحت في الاتحام بالمحطة الفضائية، ثم انفصلت عنها وتلاشت في يوم 4 أغسطس.

وفي 6 أغسطس اطلقت (بروغريس-3) والتحمت بالمحطة الفضائية ثم انفصلت عنها وتلاشت يوم 17 أغسطس، وفي 26 أغسطس اطلقت (سويوز- 31) بقيادة السوفياتي بيكوفسكي والالماني الديمقراطي جاهان والتحمت بالمحطة الفضائية في اليوم التالي. وفي 2 سبتمبر عادا إلى الأرض على متن (سويوز-29) .

وفي 2 نوفمبر 1978، وبعد 140 يوما من العيش والعمل في الفضاء، عاد الرائدان السوفيتيان كوفا ليونك وايفا نتشينكو إلى الأرض على متن (سويزو-31) .

ماذا عن ردود الفعل الأولية للأوساط العلمية الأمريكية خصوصا؟

بكل وضوح أنهم باشروا في استعمار الفضاء في شكل أكثر جدية من الأمريكيين: فالسوفيت بدأوا العمل فعليا وتقدموا فيه كثيرا. بينما الامريكيون ما زالوا في مرحلة إعداد المشاريع ومناقشتها، وهذا الانجاز العلمي يعني أن الاتحاد السوفياتي مصمم أكثر من أي وقت مضى على تحقيق الهدف العام وهو تجميع أكبر عدد ممكن من المعطيات حول امكانيات الحياة والعمل في الفضاء. وأفضل ما يوضح ذلك هو ملف التجارب الذي استطاع الامريكيون استخلاصه من المعلومات السوفياتية الرسمية – وهي قليلة من مصادرهم الخاصة.

يبدو أن السوفيات يركزون على عمليات صهر المعادن في أجواء انعدام الوزن، مما يعني أن خططهم في المستقبل القريب تتجه نحو تركيب محطة مدارية دائمة ضخمة ذات خصائص غير عادية بالنسبة للمقاييس الحالية، مثلا استطاع الرواد من خلال عملية لحم سبائك من الفولاذ بعضها ببعض من خلال مزج النحاس مع الفضة في الحصول على تركيبات جزيئية أكبر بعشر مرات مما على الأرض، كما أنهم من خلال مزج الفولاذ بالهيليوم (وهو عنصر غازي خفيف عديم اللون) حصلوا على معدن نفيذ (أي ذي منافذ) بمتانة الفولاذ وبخفة وزن الفلين، وهذا ما يشكل بحق اكتشافا رائدا.

أما في خصوص أعمال الرصد والمراقبة فمن المؤكد ان الرواد السوفيات جمعوا حوالي 18 ألف صورة من البلاد الاوروبية الشرقية وسيبريا وأيضا البلاد الغربية، كما استطاعوا تصوير خسوف القمر الذي حصل في 16 سبتمبر 1978، إضافة الى تصوير بنية محيط الشمس وتساقط الشهب قرب الأرض والخصائص البصرية للجو المحيط بالارض، وهم راقبوا اثر النيازك على محطة (ساليوت -6) نفسها،

لكن يبدو أن أهم التجارب التي قاموا بها هي المتعلقة بالناحيتين الجسدية والنفسية للرواد اثناء عملهم في الفضاء الكوني، وفي هذا المجال يجهد العلماء السوفيت للتخفيف من شعور الرتابة في الزمن الكوني، وهو شعور يمكن أن يؤثر على الحالة المعنوية للرواد، فالرحلات الفضائية السابقة أظهرت مثلا أن الرائد يزداد نموه في الفضاء الكوني وان حواس المذاق والشم والنظر تتبدل، صحيح أن التجارب التي قام بها الرواد الامريكيون في السفينة الفضائية (ساكيلاب) قدمت بعض الاجوبة، إلا أن السوفيت عمقوا من معرفتهم لهذا الموضوع في شكل واسع للغاية، وتجارب الروس مع الفضاء كانت مبكرة.

فقبل عقود قاموا باطلاق أول قمر صناعي حول الأرض (وهو سبوتنيك-1) في 4/10/1957، وكانت لهم الريادة في إرسال أول رائد في الفضاء (يوري غاغارين في 11/4/1961) كذلك لا ينسى العالم نجاحهم في اول التحام في الفضاء الكوني (بين كوزموس 186 وكوزموس 188 في تشرين الأول 1967) كذلك ارسالهم لأول مركبة فضائية حول كوكب الزهرة (1975) وهاهم قد سجلوا سبقا في اطلاقهم أول طاقم كوني يعيش في الفضاء أطول مدة وذلك عام 1978م.