حظي (التعاون) في تراثنا العربي ومأثورنا الشعبي بمكانة عالية، فالآباء يوصون به الأبناء، والشعراء يشيدون به على المدى، والحكماء يرونه ضرورة للنجاح والإنجاز والتغلب على أعتى الصعاب.

فإن هذه الحياة عامة، وحياة الصحراء خاصة، لا نجاة فيها ولا نجاح إلاّ بالتعاون على الخير، ووضع اليد في اليد، والساعد إلى جانب الساعد، هنا يخف الحمل الثقيل، ويسهل - بإذن الله - الأمر العسير، ويتم تحقيق المطالب، وإنجاز الأمور.

قال إبراهيم الموصلي:

وإذا العبء الثقيل توزعته

أكف القوم هان على الرقاب

وكما ان هذا صحيح في الأمور المادية المحسوسة، فإنه أيضاً صحيح في الأمور المعنوية، فإن الثقة بالنفس والاحساس بالتفاؤل والاشراق والنجاح في تربية الأولاد، كلها أمور أساسية لا تحقق جدواها إلاّ بالتعاون والتكاتف.

وكذلك السعادة الزوجية خاصة، والأسرية والاجتماعية بشكل عام، لا تتحقق على ما يرام ويراد إلاّ بالتعاون المخلص، والنيات الطيبة، والتفاهم التام.. والمثل الشعبي يقول:

«قوم تعاونوا ماذلوا»

وتلك هي الحقيقة.. فإن الذي لا يتعاون مع الآخرين لن يجد من يتعاون معه وسيظل معزولاً ذليلاً.. والأمر لا يقتصر على الفرد بالطبع.. بل يشمل المجتمعات والأمم.. فإن الأمة التي لا تتعاون على النهوض والعز ولا تكون يداً واحدة تصاب بالشلل والذل وتصبح في ذيل الأمم.

وبما ان حياة العرب القديمة كانت عرضة للمهالك في صحرائهم المخيفة، من كل ناحية، حيث يتربص بهم الأعداء من كل مكان، وتتحدر عليهم المصائب والمصاعب من كل حدب وصوب، حيث قسوة المناخ وضراوة السباع وخطورة الجفاف وكثرة الغارات وندرة المياه وقلة مقومات الحياة، فإن التعاون التام والاحساس بأهمية الربع والانتماء المخلص للجماعة كان ضرورة وجود وأولوية بقاء، فالمخاطر تكشر عن أنيابها من كل ناحية، والتحديات تطرق الأبواب، لهذا كان التعاون ضرورة والفرقة هلاك، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

وقد عبر شاعرنا الشعبي المبدع محمد السياري عن ضرورة التعاون والاهتمام بتلاحم الاخوان، بصورة مستمرة من بيئة الصحراء التي عاش فيها فكانت صورة بليغة معبرة ومقنعة.

إذ يقول - رحمه الله - :

رجل بلا ربع صبور على الخطا

الى صار ما حوله طوال أشناب

الذيب وهو الذيب إلى صار مفرد

يجر العوى حتى يجيه ذياب

ويظل التعاون أساسياً في السلم والحرب في الصحاري والمدن والقرى، في الفقر والغني فالإنسان لا غنى له عن اخوانه الناس (الناس بالناس والكل بالله).

الناس للناس من بدو وحاضرة

بعض لبعض وان لم يشعروا خدم

ومع تلك العمومية المتفق عليها لأنها واقع مشهود أمس واليوم وكل يوم، تظل خصوصية التعاون مع الاخوان والأصدقاء والأقرباء والزملاء عزاً وعزوة، وإنجازاً وقوة، وفوق هذا فإنها راحة وسعادة فالإنسان اجتماعي بطبعه، وكلما ساد هذا الاجتماع التفاهم والتعاون والحب والاحترام كان سبباً في السعادة ووسيلة للنجاح والراحة النفسية، واحساساً بجمال المحيط الصديق، أما حين تسود البغضاء والتحاسد والتفرق والمكائد فإن الجماعة يفشلون وتذهب ريحهم وتموت روحهم وان الأفراد يتعسون ويحسون بالاختناق والاحباط ويكرهون الناس والحياة.

وفي تراثنا العربي يعبرون عن الأصدقاء بالاخوان، وتعقد الكتب القديمة (باب الاخوان) للحديث عن الأصدقاء الأوفياء المتعاونين وتشيد بهم، ومن الأمثال العربية (رب أخ لك لم تلده أمك) ومن شعر محمد بن عمران:

وما المرء الا باخوانه

كما تقبض الكف بالمعصم

ولا خير في الكف مقطوعةً

ولا خير في الساعد الأجذم

فالإنسان بلا اخوان كالعضد المقطوعة اليد، وهو تشبيه بليغ وصحيح.

ويصور لنا سرور الأطرش حاله وقد شاب وفقد الأصحاب وصار وحيداً وحيشاً وقد مات أصدقاؤه، فيصف أجمل وصف، ويشبه نفسه بالسيف العاري بدون مقضب أو مقبض:

أنا اليوم يا حماد ربعي تفرقوا

كما ملح أمس بالغدير وذاب

أنا اليوم ما تقوى عظامي تقلني

كما السيف يومي به بغير قضاب