الحداثة العربية تثبت أنها حداثة لا تقتصر على الإنشاء والأدب فقط -كما ادعيت في المقالات السابقة-.. برنامج علمي أسقط كل التهم التي ألصقتها بالحداثة العربية وعلاقتها بالعلم التجريبي، وإليكم الدليل: إحدى المحطات العربية الحداثية تثبت أنها مأخوذة تماما بكل ما هو جديد علمياً كالحداثة الغربية، بل وبنقد تراثنا لا بالكتابات الإنشائية، بل بالعلم التجريبي كما فعل الغرب مع تراثه تماماً، وذلك عندما قدمت برنامجاً (علمياً) بعنوان (الصلاة والشفاء)، ويتلخص هذا البرنامج بتقسيم مجموعة من المرضى إلى قسمين:

قسم يتلقى العلاج فقط، وقسم آخر يتلقى العلاج بالإضافة إلى الدعاء له، مع وضع أجهزة على المجموعتين لرصد أثر الصلاة على تعافي المرضى واستجابة الجسد للعلاج، أما الذين سيمارسون الصلاة والدعاء فهم ممثلون لأكبر وأشهر الديانات في العالم، حيث تم إحضار ممثلين للديانات السماوية (اليهودية والمسيحية والإسلام) وكذلك الديانات الأرضية (الهندوسية والبوذية).

كانت الفكرة جميلة، لكن الحداثة العربية كعادتها تفسد كل جميل، فقد تم عرض المصلين اليهود والمسيحيين والبوذيين والهندوس في معابدهم وكنائسهم وزيهم الديني وتراتيلهم من كتبهم المقدسة.. تماماً كما هم وبكل أمانة، لكن عندما جاء دور عرض صلاة المسلمين (لا أدري كيف أصف مشاعري حينها).. كشفت المحطة لنا فجأة أن الصلاة التي نصليها منذ أكثر من 1400 سنة، والتي ينقلها التلفزيون السعودي منذ نصف قرن تقريباً للعالم كله صلاة غير صحيحة.. سأترك لكم تخيل أبشع صور التشويه للصلاة ولن تصلوا إلى ما قدمته تلك المحطة:

نزلت الكاميرا من السقف لتستقر على صف واحد متراص من الرجال والنساء جلوساً، وبيد كل واحد منهم آلة موسيقية.. عود قانون كمنجه... إلخ إلخ. ثم قيل للمشاهد: هؤلاء هم المسلمون يؤدون الصلاة.

فقدت التركيز ونسيت الهدف من البرنامج ورحت في حالة من الغضب أترقب المزيد من التشويه، لكن بعد أن انتهت مرحلة التشويه بدأت مرحلة أخطر.. (التنصير).

الكاميرا الآن على مجموعة من الراهبات في ثياب بيض على أريكة (صوفا) وهن يتحدثن للبرنامج، لتفاجأ بأنهن تركن الحديث عن شعورهن بالتجربة وأهميتها وعلميتها وتشوقهن لمعرفة النتيجة، بل لم يتحدثن عن صلاتهن.. تركن كل ذلك.. تركن كل شيء له علاقة بالبرنامج (العلمي) وتفرغن للحديث عن الإسلام!.

قالت إحداهن: المسلمون قلوبهم طيبة لكنهم أخطأوا طريق المسيح.

وأضافت الأخرى: نعم.. نعم، ولذا لم تستجب صلاتهم.

تصوروا حدوث هذا في برنامج علمي وثائقي في محطة تنويرية عربية! إذا كان هذا هو حجم التزوير في البرامج العلمية التجريبية، فما المنتظر فعله في المسلسلات والأفلام؟.

إن مشكلتنا ليست مع الحداثة التي أركبتنا الطائرات والقطارات، وأجرت لنا أدق العمليات الجراحية، وجعلت العالم قرية واحدة.. هذه الحداثة رحب بها سيدنا صلى الله عليه وسلم عندما قال:(أنتم أعلم بأمور دنياكم).. أنتم أعلم بأمور صناعتكم وزراعتكم وتقنياتكم وما يجعل حياتكم أكثر رفاهاً.. إن معضلتنا هي مع حداثة فارغة أعرضت عن الإبداع الصناعي والزراعي والاقتصادي والعلمي والديموقراطية وحقوق الإنسان وتفرغت ل ...!.