أمامي الآن صورة من مقال قديم جداً نشر في مجلة نيوزويك الأمريكية بتاريخ 14 أبريل من عام 1961. أي بعد يومين من تحليق رائد الفضاء الروسي يوري جاجارين.

وعنوان المقال هو: لماذا أصبحنا في المؤخرة وهل يمكننا اللحاق بالروس. فما أشبه الليلة بالبارحة. فالروس هم اليوم الذين يطرحون هذا السؤال على أنفسهم بدل الأمريكيين. وعلى أية حال فإن مكاشفة وصراحة هؤلاء الأخيرين ونقاشهم الحر مع بعضهم هي التي بينت لهم مكامن ضعفهم ومكنتهم فيما بعد من التفوق على الاتحاد السوفيتي.ولذلك فالشكر كل الشكر لمعهد الدراسات الدبلوماسية الذي وفر لنا يومي الأحد والاثنين الماضيين فرصة الحوار والنقاش المفتوح مع زملائنا الروس. فالشفافية والمصارحة، التي أتسمت بها ورشة العمل، قد ساهمت في كشف العديد من جوانب القصور وأوجه الضعف في العلاقات بين المملكة وروسيا. وفي الحقيقة فإن كفاءة الباحثين والمتخصصين السعوديين، دون ذكر للأسماء، قد لعبت دوراً في نجاح الورشة وخروجها بتوصيات قوية. وهذا أمر يدعو للمفخرة.

حقاً ان العلاقة بين المملكة وروسيا لم تتحول حتى الآن إلى علاقة إستراتيجية كما يطمح إلى ذلك قادة البلدين. فهناك العديد من العوامل التي لا تساعد على دفع العلاقة بين البلدين إلى مستويات متقدمة لعل أهمها:

1- اعتماد البلدين على صادرات مواد الطاقة. وهذا يؤدي إلى ضعف حجم التبادل التجاري بينهما. فنحن لسنا في حاجة لشراء النفط والغاز الروسي وهم لا يرغبون في شراء نفطنا وغازنا. وهذا أمر طبيعي فاللبن، مثلما نعرف أو تعرفه جداتنا، لا يبادل باللبن وإنما بالتمر.

2-عدم تمكن روسيا حتى الآن من تطوير اقتصادها وتنويع قاعدتها الإنتاجية إلى المستوى الذي يلبي احتياجات السوق العالمية والمملكة واحدة من الواجهات الرئيسية لتلك السوق.

وقد ترتب على هذين العاملين عدم نشوء مجموعات الضغط الذين تهمهم تطور العلاقة بين المملكة وروسيا. فنحن لو بحثنا عن أصحاب المصالح Stakeholders المهتمين بدفع تلك العلاقة، سواء في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص، فإننا بالكاد سوف نجد لها أثراً.

ان أصحاب المصالح في أي بلد يدورون حول كل ما من شأنه أن يعود عليهم بالمنفعة.

ولذلك فليس مصادفة أن نراهم يحومون حول المشتريات الحكومية التي تشكل نسبة لا يستهان بها من الناتج المحلي الإجمالي. ولكن هذه المشتريات تأخذ بعين الاعتبار العديد من الأمور بعضها اقتصادي وبعضها أمني وغير ذلك. فالمشتريات من السوق المحلية تتوجه بصفة رئيسية لدعم المنتجين المحليين. أما المشتريات من الخارج، وخصوصاً في الدول النامية، فإن نسبة كبيرة منها تأتي من البلدان الصديقة أو

الحليفة التي يمكن الاعتماد عليها وقت الشدائد والمحن. وروسيا لم تصبح حتى الآن تلك الدولة القوية التي يمكن الاعتماد عليها في الظروف الصعبة. ولهذا فإن شريحة أصحاب المصالح بيننا وبينهم على هذا المستوى غير موجودة.

أما شريحة أصحاب المصالح على مستوى القطاع الخاص السعودي والروسي، والتي يمكن أن تضغط من أجل تطوير العلاقات بين البلدين، فهي الأخرى ضعيفة في ظل حجم تبادل تجاري بين البلدين لم يتعد في العام ما قبل الماضي 2009 مليارين وسبعمائة مليون ريال ( حوالي 730 مليون دولار). فضمن هذه المعطيات الاقتصادية الهزيلة من الصعب علينا العثور على تلك الشريحة فما بالك عن لعبها دورا مؤثرا في تطوير العلاقات بين البلدين.

ورغم ذلك فإني متفائل بإمكانية تطور العلاقة بين المملكة وروسيا وذلك لعدة أسباب لعل أهمها هو حرص المملكة على تحويل اقتصادها من اقتصاد معتمد على النفط إلى اقتصاد متعدد المزايا النسبية. كما أن روسيا هي أيضاَ في طريقها إلى النهوض واستعادة مكانتها الصناعية. فقبل عشرة أيام فقط حلقت الطائرة الروسية المدنية المتقدمة ((سوخوي سوبر جيت 100)) في أول رحلة تجارية لها من يرفان عاصمة أرمينا إلى موسكو. أما في عام 2014 فإنه من المتوقع أن يتم إجراء أول تحليق تجريبي للطائرة المدنية ((أم أس- 21)).

وفي مجال السيارات فإن الكثير منا قد تابع ربما قبل شهر تقريباً قيادة رئيس الوزراء الروسي بوتين للسيارة الروسية الهجين الجديدة « يو مبيل « حتى قصر الرئيس. فإذا استمرت المملكة وروسيا على هذا المنوال فإن شريحة أصحاب المصالح ومجموعات الضغط المتبادلة في كلا البلدين سوف يزداد عددها. وهذا وحده كفيل بإعطاء دفع قوي للعلاقات بين المملكة وروسيا في كافة المجالات.