فإننا في وطننا الغالي وبلادنا المعطاء، ومملكتنا الحبيبة مملكة الحب والإنسانية والوفاء، المملكة العربية السعودية نعيش آلاء متعددة، ونعمًا متجددة، نرى في طيات المحن منحًا، وفي مواقف الابتلاء تمحيصًا، فهو الذي يبتلي ويعافي، ويقدر ما يشاء ويرفع، لحكم جليلة، وأسرار عظيمة قد لا ندرك إلا شيئًا منها، فيقدر الله ولا راد لقدره ما يشاء، وتكون الابتلاءات مواقف للتمحيص، ومواطن للابتلاء، ثم يأذن الله بزوال الكربة، وانجلاء النعمة، وهذا شأن أراده الله لحكم لا تحصى، {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُون[الأنبياء:35]، ولذا نكره في أنفسنا ما يحصل لولاة أمرنا وعظمائنا، ونعيش فترة التمحيص ونحن نشعر بالحزن والترقب واللوعة والأسى، ونعيش لحظات فراق ولاة أمرنا بقلوبنا، ودموعنا ودعواتنا التي نحتسبها جزءًا من حقهم علينا، ثم يكشف الله هذه الغمة لتنجلي عن أسرار وحكم لو لم يكن منها إلا تجسد هذه اللحمة بين الراعي والرعية، والائتلاف والوحدة والاجتماع والتعاضد والتكاتف، بين الحكام والشعب، وإنها والله لمن أعظم النعم أن نرى الوحدة تتجسد في واقعنا بصورة لا نظير لها، فحكامنا الأوفياء، وقادتنا الميامين يجعلون رضا الله غايتهم، ومصلحة الوطن والمواطنين من أبرز مسؤولياتهم وأولى أولوياتهم، ويشعرون بما يحتاجه المواطن وما يلم به، وما يؤثر في سعادته ورفاهيته وطمأنينته، بل وأبلغ من ذلك ها هو خادم الحرمين الشريفين رغم أنه في نقاهة المرض، وحالة الإعياء إلا أن ذلك لم يمنعه أن يعيش آلام الوطن والمواطن لحظة بلحظة، وساعة بساعة، ويوجه بما يكون رفعًا للمعاناة، والمواطنون في مقابل ذلك يبادلونهم التقدير والمحبة والوفاء، ويرون أن ولايتهم نعمة، ووجودهم رحمة، والنعم التي تترى عليهم منحة، وهذه مشاعر ومواقف تحكم علاقة الحاكم بالمحكوم في هذا الوطن العزيز في كل آن، لكن تظهرها مواقف الابتلاء، ومواطن التمحيص، وهذا ما ظهر في أجلى صورة، وأصدق مظهر معبر حينما قدر الله سبحانه - ولا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه - أن يلم بملك الإنسانية، ورجل السلام، خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود - ألبسه الله لباس الصحة والعافية، ورد عنه كل سوء ومكروه - طارئ صحي، استلزم أن تجرى له عملية جراحية تكللت ولله الحمد بالنجاح، وأتم الله عليه نعمته بالصحة والعافية، وها نحن بعد كل تلك الأيام نعيش لحظات الفرح بالعودة الميمونة، للطائر الميمون يحمل أغلى الناس، وأحبهم إلى نفوسنا في وطننا، لنعيش لحظات سعيدة، وأيامًا مباركة، تنثر فيها المآقي دموع الفرح كما نثرت دموع الحزن، وتطير الأفئدة فرحًا وابتهاجًا بالعودة الميمونة، وبالعافية والشفاء التام، وباجتماع الشمل بعد هذه الأحزان، فالحمد لله الذي أبدل الأحوال إلى أتم حال، وأكمل النعمة، وأتم الفرحة.

والحق أن كل شأن من هذه الشؤون يعد فرحة مستقلة، فنجاح عملية المليك - أدام الله عليه العافية - فرحة الوطن، وسعادة النفوس، وغاية البهجة، وتمام النعمة، فالحمد لله على ما أعطى ومنّ ووالى، ويبرز طعم هذه الفرحة الغامرة حينما تقارن بمشاعر كل مواطن حينما ودّعنا مليكنا، وغادر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتلقي العلاج وكل الألسن والأيدي تتضرع للدعاء أن يعجل بالشفاء لخادم الحرمين الشريفين، ويعيده إلى أرض الوطن سالمًا معافى، والعودة الميمونة فرحة أخرى، فالأرض عطشى، والقلوب متلهفة، والنفوس متعلقة تترقب رؤية مليكنا بخير، وتنتظر وجوده في وطنه وبين أبناء شعبه يبادلونه حبًا بحب، ويشارك مع إخوانه الأوفياء من هذه الأسرة الماجدة أسرة السعد والبركة من آل سعود، الذين ترسموا خطى الملك المؤسس المجاهد، الإمام الصالح الملك عبدالعزيز بن عبد الرحمن - طيب الله ثراه، وجعل الجنة مأواه -، فالحق أنها أفراح وطن، وأيام خير وبركة، وساعات ابتهاج واحتفاء، فلله الحمد على ما أعطى وأولى، وأنعم وأسدى، ونسأله أن يديم علينا نعمه وفضله.

إن هذه المشاعر هي أعظم رصيد لمنجزات ملك الإنسانية، فالتقاء المشاعر والقلوب على المحبة والتفاعل بالمشاعر من أعظم المنن التي يمتن الله بها، وهي دليل على خيرية وقوة وعزة، ولذا يذكر الله بها رسوله وخليله محمدًا ( فيقول: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم[الأنفال: 63]، فالله هو الذي يعطي المحبة وينزعها، وهي لاشك لا تحصل إلا بعمل جليل، يعامل به المسلم ربه فيكتب الله له القبول في الأرض كما ورد في الحديث: «إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال إني أحب فلانًا فأحبه، قال فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال ثم يوضع له القبول في الأرض»، ثم هي مشاعر متبادلة، فالرعية والمواطنون الأوفياء يحسون بهذه المشاعر، وخادم الحرمين الشريفين رجل أحب شعبه وأبناء وطنه، وها هو حينما غادر الولايات المتحدة الأمريكية يقول لشعبه ومواطنيه إبان الوعكة الصحية - حفظه الله -: «ما دام أنتم بخير أنا بخير»، فكانت هذه الكلمات الرائعة النابعة من القلب، المليئة بكل المشاعر تنم عن حب وتقدير خادم الحرمين الشريفين لشعبه الوفي، وقد أثرت في نفوسهم، وقدوة بالأنفس، وتمنى كل منهم أن لو كان الأمر إليه لحمل هذه الآلام وأضعافها، ويفدي ملكينا المفدى بالنفوس، ولكنه قضاء الله الذي لا راد لقضائه، ولم يقتصر الأمر على هذه المشاعر الأبوية الحانية من الملك الإنسان، بل أبلغ من ذلك يعيش أبناء شعبه في قلبه وبين جوانبه، ويوجه بالمكرمات وهو على سرير المرض، ويتألم لما قد يصيب أحدًا منهم، فالحمد لله الذي هيأ لنا هذه القيادة الراشدة، ونسأل الله عز وجل أن يتم علينا فضله، وحين منّ الله بزوال المكاره، وأسعد الله قلوبنا بتماثل المليك وشفائه، وخروجه من المستشفى، ثم ما تلا ذلك من مغادرته إلى المغرب لاستكمال العلاج والنقاهة توالت مشاعر الفرحة والابتهاج والسرور في كل جزء من وطن الحب والوئام، بل في أصقاع العالم، وتواصلت هذه المشاعر من كافة المجتمع السعودي صغارًا وكبارًا، ذكورًا وإناثًا.

وإن من يرصد هذه المشاعر، ويسجل التفاعل الرسمي والشعبي مع هذه المناسبة السعيدة، مناسبة نجاح العملية الجراحية التي أجراها ملك الإنسانية وخروجه وعودته إلى الغرب الشقيق، ويرى اللحمة المتجسدة بين الولاة والرعية فإنه لا يسعه إلا أن يلهج بالثناء لله وحده على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ثم يدرك ثانيًا أن هذه المحبة والإلفة التي يشعر بها الناس تجاه ولاة أمرهم من أعظم النعم، التي بها تستقيم أحوال الدول، وتستمر قوية متماسكة مهابة، وهي مؤشر على الخيرية في الراعي والرعية، في صحيح مسلم عن عوف بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله (: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليكم».

وإن هذا التلاحم بين القيادة والشعب والحب المتبادل لم يكن شعارا يطلق من أجل استهلاك إعلامي أو تعبيرًا خاليًا من المضمون، بل إنها حقيقة ثابتة وواقع مشاهد وملموس أثبتته الأيام عبر المواقف الرائعة التي تدل على التكاتف الأسري، الذي لا يوجد في مجتمع آخر، فالتعامل المتبادل يتجاوز حدود الرسميات إلى تعامل إنساني راقٍ، وأسري تتناغم فيه أفراد الأسرة الواحدة وتتعامل من خلاله بكل حب وإخلاص لكل فرد من هذه الأسرة الكبيرة التي تكن لوالدها وقائدها كل الحب والتقدير والاحترام سيما وهو الحريص على كل فرد في هذه الأسرة المتكاتفة، والذي منحها كل وقته وجهده من أجل إسعادها ورفاهيتها وسلامتها والمحافظة عليها، وعلى أمن وسلامة البيت الكبير الذي يحتوي الأسرة السعودية، ولغة الأرقام والإحصاءات تثبت جزءًا من أسرار هذا الترابط والتلاحم، فمليكنا صدق الله في شعبه ورعيته، ومنحهم كل وقته لترصد لغة الإحصاءات منجزات عظيمة في حقبة حكمه الميمون الممتد بإذن الله رسم من خلالها وبمعاضدة أخيه وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز، وزير الدفاع والطيران، وسمو النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية - حفظهم الله، وزادهم تمكينًا وعزًّا - سياسة بعيدة المدى، واستراتيجيات تجعل هذه المملكة في مصاف العالمية، وتكون سمعتها في المحافل الدولية مضيئة رغم عتمة الواقع العربي والعالمي، وها هو - يحفظه الله - في كل مناسبة يعلن رؤيته للواقع العالمي، وينادي في كل محفل بلغة السلم والسلام والتعايش والتعاون على البر والتقوى والخير، حتى أصبحت مملكتنا -ولله الحمد- بقيادته رمزًا للمحبة والسلام والبناء، وأصبح - يحفظه الله - بمواهبه وسماته حاكمًا عادلاً، ورمزًا للشهامة والإباء، يعيد لنا أمجاد السلف، ويذكرنا بحقبة الخلفاء الراشدين، قريب من مواطنيه على سجيته، لا يكل ولا يمل في سبيل كل ما من شأنه تحقيق رضا الله عز وجل ثم إسعاد مواطنيه، تفيض جوانحه بالإنسانية ما يجعل عبراته تسيل عندما يشاهد أو يذكر له معاناة، ويتفاعل معها بشكل يخرج عن رسميات السلطة، وله رؤى رشيدة يحق لنا أن نصفها بأنها سد منيع ضد أبواب الفساد والاستغلال، ومن أجل هذه السمات الفذة لا غرو أن مَلَكَ القلوب، والتقت المشاعر والأحاسيس على محبته والثناء عليه، ونحتسب على الله أن يكون هذا من القبول الذي وضعه الله له في الأرض، لقاء إخلاصه وصدقه مع الله، وصلاح طويته.

والحق أن الحديث عن جوانب سماته الشخصية - أعزه الله - والتقاء المشاعر والقلوب على محبته وما يشعر كل مواطن وكل مسلم تجاه النعم التي تتوالى عليه حديث ماتع، ومحبب للنفوس، واستجلاء هذه المكانة والمحبة يتطلب حديثًا طويلاً، ولن نصل إلى الوفاء بما نريد، لكنها إشارات ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، ويكفينا حديث المصطفى (: «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ»، إن مما يميزها أنها صور غير متكلفة، تستهل بها نفوس الشعب بكل أريحية وصدق ووفاء، لكنني أختم بما يعد جزءًا من أسرار التقاء مشاعر المسلمين عمومًا والمواطنين خصوصًا، وذلك بما حققه من إنجاز في المجال العربي والإسلامي والعالمي فأقول: هنيئًا لنا بخادم الحرمين، وإمام المسلمين، لقد بلغ من اهتمامه ومتابعته وقيامه بالمسؤولية أنه في فترة النقاهة والمرض لم يقعده ذلك عن متابعة شؤون الوطن والعالم، بل تحول مقر إقامته في نيويورك إلى مكتب دائم لمتابعة أمور البلاد والعالم، وأصبح موئلاً للجميع، يصدر الجميع عن حنكته وحكمته وآرائه السديدة، ويثبت للعالم أن حمل الأمانة والمسؤولية لا يقف دونها عائق أو حاجز، وأنه - يحفظه الله - يمارس مسؤوليته إلى درجة الإشقاق على نفسه، وسعادته حيث تنتهي معاناة الآخرين، ألا إنها مواقف ومبادرات مكن بها لهذه البلاد، وقادها باقتدار إلى الريادة والمثالية الطموحة والعالمية، وهو بهذه الصور المثالية يوقفنا بتصرفاته ومبادراته على تمسكه بالإسلام وقيمة وأحكامه، والشعور بشعور الجسد الواحد، يجعل قضايا المسلمين وما يحل بهم فوق كل اعتبار، ويساهم ويشارك بكل ما أوتي من ثقل وقوة عالمية ليوظف هذه المكانة في مشاركة المسلمين قضاياهم ومعاناتهم، وها نحن نشعر وبكل فخر واعتزاز أن بلادنا الحبيبة، ووطن الإسلام المبارك يفرض نفسه في كل المحافل الدولية كرائد للسلم والسلام، وقائدنا ومليكنا بمبادراته وحكمته وحنكته يجمع الأمم المتنافرة، لتعتمد الحوار الهادف، والقيم المشتركة، والعلاقات المبنية على التسامح والتشاور، فتختزل هذه المبادرة التاريخ التحديات والعقبات، وتجسد الطموحات والآمال واقعًا حيًا، تقوم على هذه الأسس التي ينطلق فيها من ميزات الإسلام وخصائصه وقيمة وثوابته، وتنبذ كل مظاهر الغلو والتطرف، والإرهاب والإفساد، ويكون الخطاب الوسطى هو الصورة المثالية التي تفرض نفسها كبديل لطرفي النقيض، وقد توالت الشهادات العالمية، والاعترافات بقوة تأثيره، وعظم محبة الشعب له، حتى صار ثالث أعظم شخصية في العالم، فالحمد لله الذي منّ على إمامنا وولي أمرنا بالنجاح، ونسأل الله أن يجعل ما ألم به كفارة وأجرًا، وأن يتم عليه نعمة الصحة والعافية، ويلبسه لباس التقوى، والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

  • مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية