ماذا تنتظرون من زيارتكم إلى فرنسا؟

كان السؤال موجهاً من ممثلي جريدة لوموند الفرنسية إلى صاحب السمو الملكي الأميرعبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء قبل يوم من وصوله إلى باريس في زيارته الرسمية الاسبوع الماضي، وكانت إجابة سموه كالتالي:

«آتي إلى هذا البلد قبل كل شيء لأني اشتقت إلى صديقي الشعب الفرنسي وإلى رئيسه جاك شيراك. هذا الصديق المخلص والذي اكن له من المعزّة الشيء الكثير، والحقيقة أن شيراك رجل متفرد ونادر لا سيما في الظروف الحالية هكذا أراه، فهو متفرد لانه يختلف عن الآخرين بخلقه ووفائه واخلاصه وإنسانيته وصراحته ودفئه الإنساني.

لم يكن الرئيس جاك شيراك شخصياً في حاجة إلى مثل هذه الاجابة. لأنه صديق للمملكة وقادتها بكل ماتعنيه هذه الكلمة. لكنها - أي إجابة الأمير عبدالله - فاجأت الفرنسيين ووسائل الإعلام الفرنسية تحديداً. خاصة وأنها نشرت في أهم صحيفة يومية في فرنسا وواحدة من أهم الصحف في العالم. بحيث تحولت اجابة سموه وأوصافه لجاك شيراك إلى مفتاح لكل الأخبار والتعليقات التي سبقت الزيارة - ولم يكن شيراك في أي لحظة من لحظات الزيارة الا نموذجاً حقيقياً ومدهشاً لهذه الصفات -. ولم يكتف بالكلمات بل انه حول تقديره ومحبته التاريخية للمملكة إلى أفعال نادرة في إنسانيتها ونبلها وسموّها. حيث ذهب خلافاً لكل التقاليد والأعراف الدبلوماسية إلى مطار أورلي لاستقبال سموه - حفظه الله - حيث تقتضي التقاليد بأن يخرج لاستقباله رئيس الوزراء أو احد كبار الوزراء. ولكن فرنسا وشيراك ورئيس وزرائها ووزراءها يعرفون أنهم يستضيفون صديقاً وفياً وممثلاً لدولة هي احدى ركائز الاستقرار في المنطقة وفي العالم. وأنهم يستضيفون رجل دولة هي الأصل لكل ما هو عربي وإسلامي، وذهب شيراك في استضافته لسمو ولي العهد إلى اقصى حدود التكريم والتنكر لما يسمى بالأعراف والتقاليد الدبلوماسية حيث دعاه مرتين إلى قصر الاليزيه على عشاء وغداء ورافقه في زيارته إلى متحف اللوفر وكان مستضيفاً ودليلاً معاً. ولم يرَ أي من المراقبين شيراك بمثل ذلك السرور وتلك البهجة منذ أن اعتلى سدة الرئاسة في بلاده. ولم يعط زعيماً قبل الأمير عبدالله مثل ما منحه من تكريم ومحبة جعلتنا نتساءل ونحن في ضيافة مستشاره السياسي عن سر هذه الحفاوة حيث قال لنا في «الرياض» «إنها علاقة أخوة» وقلنا له ان ذلك الاحتفاء كان واضحاً حتى في خطاب شيراك الترحيبي بسموه وكأن أحد مستشاري سموه هو الذي أعد الخطاب.

فرح المستشار لهذه الملاحظة وأكد أن شيراك كان صادقاً في كل كلمة وحركة وابتسامة خص بها سموه والوفد المرافق له.

وكان مقرراً أن يندب شيراك رئيس وزرائه لوداع الأمير عبدالله أثناء مغادرته نظراً لارتباط الرئيس بمراسم عزاء أمير موناكو لكنه طلب من سموه تأجيل سفره ليتسنى له أن يكون في وداعه وكيف لولي العهد الا يؤجل سفره. وعاد شيراك على عجل واصطحب ضيفه الكبير إلى المطار مودعاً إياه والوفد المرافق له وكأنه يعلن أن فرنسا والمملكة العربية السعودية على هذا العلو من الصداقة والمحبة والثقة.

لقد كانت زيارة تاريخية بصدق. يتفق في ذلك العدوّ والصديق ومهما حاول البعض البحث عن اجابات مغرضة الا ان عبدالله بن عبدالعزيز كان سعودياً وعربياً وإنسانياً في كل جملة قالها أو حركة قام بها ولم يأت بحثاً عن مجد شخصي أو متعة عابرة أو اعتراف سياسي. لقد كان واثق الخطوة فعلاً. وكانت فرنسا على قدرة كبيرة لقراءة هذه الخطوة السعودية التي ستطبع تاريخ العلاقة بين البلدين لسنين طويلة.