في ما يشبه الحب كامل الدسم، تجسد الروائية رجاء عالم عشقها للمكان في روايتها (طوق الحمام) بلمسات فنية دقيقة تمثل قمة الروعة، حيث يشتبك الانفعال الذاتي مع العام في الدوران حول نقطة تلاقٍ حتمية للمحب مع الشيء المعايش له, فكيف إذا كان ذلك الشيء هو المكان الذي ولد فيه الإنسان ونشأ وترعرع , وأدرك الكثير من التحولات التي طرأت وتتابعت عليه بحيث يبدو هو وليس هو في آن، كون المخيلة تتكئ على مخزونها التراكمي لأبعاد الصورة , وهذا يطفو ويتصاعد عندما يرجع الإنسان إلى ملف ذاكرته في حالة حنين تأخذ في تصفح الصور والأوراق المخزنة، خلا تتابع الأيام في تلافيف الوعي الكامن المهيأ للمثول وقت الطلب من الذات عندما تلجأ إليه, فتكون الصور المستجلبة أساسا للمقارنة بالصور الآنية المواجهة في تعامل مع الحدث الذي يشي إلى التحسر على ال(كان) لكونه يزداد غلاء كلما تقدم به الزمن أو أنه زال ولم يتبق منه إلا ماهو في (الملف) المصاحب للإنسان، أبداً طوال حياته يعود إليه تلقائيا عندما تحتم الحالة تلك العودة بفعل حالة نفسية خاصة تتسم بالتجلي أو لحظة إبداع مباغتة وربما مستجلبة بالتهيؤ لها واقتناصها.

طوق الحمام هي الرواية الجديدة لرجاء عالم التي تسير بتؤدة وروية في المشاوير الطويلة المرهقة إلى أن تصل إلى المكان المناسب لها وغالبا ما يكون رفيعاً، حيث تلفت الأنظار بالعمل الذي تقدمه ويكون حديث الناس لما له من تأثير إيجابي في مجاله, فمنذ صدور روايتها الأولى (04) مروراً برواياتها المتتابعة مثل:( طريق الحرير , مسرى يارقيب, خاتم , حَبَى , ستر) وغيرها من الأعمال الإبداعية وهي محط الأنظار من قبل الناقدين والمهتمين بالشأن الثقافي, وهناك مايشبه الإجماع على الإشادة بأعمالها لكونها مغايرة للسائد متجاوزة في سموها الفني المؤطر بلغة خاصة رفيعة المستوى بعيدة عن التسطيح حيث تتسم بالعمق إلى جانب المتانة ونصاعة العبارة كثيمة خاصة بها دون سواها، مما يوحي بالحرص على نظافة العمل المقدم للمتلقي لكي يقبل عليه دون تردد، يدفعه النهم في البحث عن المستحق للقراءة في خضم هذا الطوفان الغثائي المتشعب المتشكل من الأدعياء والمتشعلقين بالفن بغية الإطلالة لتلميع الذات بأي وسيلة, فهي تمثل رأي هنير جيمس بأن الفن هو تعقيد إنساني وحجر عثرة اجتماعية , وهذا يدخله دائرة الوعي الجماعي المستنير .

تدخل رجاء في محاولة لرسم صورة الماضي مربوطة بالحاضر بالنسبة لمعالم مكة فتحصرها في زقاق أبو الروس وتشرح لماذا سمي بهذا الاسم، لأن أربع رؤوس قطعت لرجال أربعة في الزمن الماضي البعيد، كانوا قد استغلوا احتفالات قدوم المحمل المصري الحامل لكسوة الكعبة الجديدة فتسللوا وسرقوا الكسوة القديمة وبعد إدانتهم نفذ فيهم حكم الإعدام وصلبوا (رفعت رؤوسهم على حزمة رماح كشواهد ببقعة القبض عليهم ) وتتوالى المسميات المكية العريقة تاريخيا في لقطات أخاذة لها وقعها في النفس العريفة بمكة المكرمة والتي عايشت بعض التحولات الاجتماعية والعمرانية وبروز معالم جديدة واختفاء قديمة لها تجذرها في أعماق المعاشرين لها , فجبل هندي وجبل أبي قبيس , والشامية والقرارة , والفلق وريع الحجون , وجرول , وحارة الباب وغيرها من الأماكن التي تتحرك مع الحروف وكأنها تتكلم , كما أن الحارات تجيء بالأسماء والألقاب التي تتميز بها بيئة مكة مثل: تيس الأغوات (=يهرب مانيكان) ويماثله تيس القرارة , وطاهر كتلوج في المزمار, وأبو عرام , وأم السعد, والعشي (= لصحف حشيشة العشي الذي يقرأ ولا يكتب نصف أمي )، وبدت بعض المسميات العامة في حياة الناس ك (المسروقة ) وهي السقيفة عند الشوام , وكانت موجودة في معظم البيوت لتخزين المواد التموينية , ورغم تحديد الأحداث في مكة إلا أن هناك بعض الخروج، وهو من مقتضى السرد والأحداث إلى الطائف ومستشفى شهار وجدة والمدينة المنورة حيث فرضت بعض الوقائع تحرك بعض الشخصيات إلى تلك المدن القريبة من مكة , كتحركات المحقق ناصر إلى جانب الشخصيات التي ترددت أسماؤها كفاعلة ومتفاعلة بالأحداث, معاذ المصور, والكاتب يوسف , وخليل الطيار, ومزاحم البقال, والشيخ داود أبو المصور معاذ, ومشبب وعائشة, ونورة ورافع, وشخصيات هامشية ولكنها تبرز بمقتضى الحدث .

تغلغل المكان في الكاتبة وتعمقها فيه رسم لوحة صعبة النقل ولا يمكن مشاهدتها على حقيقتها إلا بقراءة الرواية سطرا سطرا، وبتأنٍ وروية كما كتبت لتتسنى المتعة للمتلقي الذي يبحث عن الجديد الجيد لمعرفة مدى معاناة الكاتبة في نظم وإبداع عقد ثمين ك (طوق الحمام).