يتفق الخبراء والمشتغلون بالدراسات الاستراتيجية أن التعليم هو الاداة الفعالة للتنمية . فهو الوسيلة الوحيدة لتحريك الطاقة البشرية في عالم اليوم، والتي بواسطتها يتم استغلال الثروات وتصنيعها. يقول الخبير الاقتصادي هاريسون : أن استغلال الطبيعة، وتطوير التكنولوجيا من اجل انتتاج السلع يحتاجان للعناصر البشرية القديرة . فمؤسسات التعليم في بلادنا هي شعلة التقدم ودعامة النهضة الشاملة في الحاضر والمستقبل. ولقد وعيت العديد من الدول الى هذه الحقيقة منذ بدأت التقنية تعتبر من العناصر الاساسية في تقدم وتطور مختلف الدول، بل هي الاساس في انطلاقتها ونهوضها وتقدمها. لذلك تفهمت الكثير من دول العالم الى أهمية التعليم الفني والتقني فبدأت في ارسال ابنائها للدول المتقدمة في مجال التقنية قامت بذلك اليابان والصين وكوريا في الاربعينات والى اليوم ولقد واجهت الأمة العربية تركة استعمارية ثقيلة. شنت في وجهها حربا على كل الواجهات . فمن محاربة الأمية إلى تعميم واجبارية التعليم فتأسيس المؤسسات العليا المتخصصة قصد تخريج افواج من القدرات الوطنية الماهرة والقادرة على العمل أن العقبات كانت اكبر من الامكانات . فرغم المجهودات الجبارة لا يزال الاميون يشكلون نسبة كبيرة من السكان في العديد من الدول بينما لا تتعدى هذه النسبة في الدول المتقدمة متدنية جدا وفي الوقت نفسه طغت مشاكل جديدة على سطح التعليم، تشكل روافد الامية تتمثل بالخصوص في ظاهرتي تدني المستوى والفشل لدى المدرسين في مواكبة العصر وتطوره المستمر. ولقد ادى الاشتغال بهذه المشاكل إلى اغفال العناية بالبحث العلمي الجامعي. والاهتمام بنشجيع الافكار البحثية والدراسية الجادة .. خلال تواجدي هنا للدراسة العليا اكتشفت كم هو مهم الاهتمام بعمليات البحث والدراسة الجادة التي تعتمد على علاقة الطالب الباحث بكنوز المعرفة البحثية المتوفرة في مكتبات الجامعات والمعاهد والكليات الامريكية وسهولة الحصول عليها بل وحتى المراكز المتخصصة في مجالات التعليم وكم دهشت وانا اشاهد حرص الاساتذة المشرفين على دراسة الطلاب والطالبات في هذه الجامعات وتلك الكليات بتشيع طلبتهم على تقديم البحوث والدراسات والافكار حتى ولوكانت دراسات بسيطة لكنها تعتمد على الجهد الذاتي والبحث التقني المتميز..

معاهد أمريكية متخصصة في تعليم الأطفال التقنية..؟!

فليس غريبا بعد هذا ان يتساءل المرء وهو يشاهد ذلك واكثر من ذلك اين البحوث في دراساتنا الجامعية وكم هو حجم التشجيع من قبل الاساتذة والمشرفين الذين بعضهم يصيبك بالاحباط فأنت تتعب وتجتهد حتى يتكرم عليك بمطالعة ما تقدمه له . هذا اذا تكرم عليك اصلا ..؟؟ وهنا لابد أن تتساءل: ما الذي اصاب التعليم في وطننا العربي الكبير حتى لم يستطع تكوين ذلك الجيل القادر على اعادة بناء صرح حضارتنا. التي لو لاها لما استطاع الغرب أن يرى نور المدنية . ولا شك أن الجواب يكمن في فهم موقع أمتنا والضغوط الكبيرة المفروضة عليها. لقد شعرت باعتزاز كبير وأنا اتابع جهود الآلاف من طلابنا وطالباتنا المنتشرين الآن في الجامعات الامريكية والاوربية والاسترالية وغيرها من الدول ضمن مشروع خادم الحرمين الشريفين الكبير للابتعاث هذا المشروع الحيوي الذي سوف يحقق نتائج ايجابية في السنوات القليلة القادمة عندما يعود هؤلاء وأولئك المبتعثين والمبتعثات حاملين شهاداتهم وخبراتهم لرفد الوطن في مختلف المجالات ..لقد اتيح لي ومن خلال الجامعة القيام بزيارة لاحد المعاهد المتخصصة في التقنية والتي تعنى بالاطفال الصغار والاهتمام بتنميتهم وتعليمهم في مجالات التقنية المختلفة على الرغم من أن هذا المعد وغيره من المراكز المنتشرة في مختلف مدن الولايات المتحدة الامريكية والتي تعنى بتعليم الصغار علوم التقنية مبكرا كون الاطفال اقدر على الاستيعاب من الكبار في مجالات العلوم الدقيقة..


أطفال يتعلمون الحاسب في سن مبكرة

ولاشك أن المتابع لما يكتب في جريدتنا الرياض بين فترة وأخرى من مقالات وآراء وتحقيقات وتقارير. تتضمن آراء وأصوات عديدة تطالب بالتطوير السريع للتعليم ومناهجه ليضاهي ما حققه العالم المتقدم في هذا الميدان. ولم تكن هذه النداءات انتقاصا للجهود المبذولة بقدر ما تمثل وعيا وواجبا قوميا، ينطلق من قاعدة قائمة على النقد الذاتي والوقوف من اجل انطلاقة جديدة تكون في مستوى التحديات التي يعيشها وطن الخير. وان تحقيق هذه الانطلاقة رهن بتوفير كافة الظروف المادية والمعنوية لطلابنا وطالباتنا في مختلف جامعاتنا وكلياتنا ومعاهدنا وتوفير كل مان شأنه يساهم في تطوير العملية العلمية والتقنية مع العناية بترسيخ الأفكار الخلاقة في عقولهم تتمثل في اعتبار التعليم الفني والتقني واجبا وطنيا وحتمية لتحقيق التنمية الشاملة. وكل ذلك في إطار مفهوم علمي متكامل يوازن بين الجوانب التقنية والوجدانية في التكوين، ويعتمد مبدا التشجيع والتقدير بدلا من ملء الوعاء حتى يوجه الطالب جهوده نحو التكوين العالي طلبا للتفوق العلمي وليس لاجتياز الامتحان. ولا ينفصل تكوين شخصية الطالب او الطالبة. الا من خلال إتاحة الفرصة الكاملة لهما في تحقيق وتنفيذ بحوثهم ودراساتهم وتبني أفكارهم لذلك فأول مهمة للتعليم هي اعدادهما الاعداد الواعي مع استيعاب الثقافة العالمية. وابراز الدور الخلاق الذي لعبته بلادنا بصورة متكاملة ..