تمرّ بنا حالات كثيرة ممن نتعامل معهم أو نشاهدهم أو نسمع عنهم، ممن لايستخدمون عقولهم في شيء، بل يطلبون من الآخرين التفكير نيابة عنهم في مختلف مسائل حياتهم. ومن يتابع بعض البرامج الإعلامية التي تقوم على أسئلة وإجابات سيجد أن كمًّا كبيرًا من بين تلك الأسئلة ربما ينم عن جهل بسبب عدم استخدام العقل. والعجيب أن هذا الجهل يجرّ وراءه حزمة طويلة من الغباء الذي يظهر في التصرف في مختلف مواقف الحياة.

ويرى العلماء والأطباء أن الإنسان بكل مافيه من ذكاء وشخصية وعاطفة ومهارات ماهو إلا عمل الدماغ، وليس لعضلة القلب –كما يظن العامة - أي دور في تشكيل مشاعره أو شخصيته. وقد انشغل الفلاسفة كذلك بالدماغ، فقد ذكر سقراط شارحًا نظرية الثنائية التي تقتضي أن كل شيء أو كائن أو عنصر يحتاج طرفًا آخر لكي يتّحد معه لكي يكمله. وهنا شرح أن الإنسان الفرد هو اتّحاد بين الروح والجسد بما في ذلك العقل أو الدماغ وهذه الزوجية إن انفكت فقد الإنسان حياته.

وفي كتاب تصميم العقل: (Mind Design II: Philosophy, Psychology, and Artificial Intelligence) يتحدث المحرر جون هوجلاند (John Huageland) عن طبيعة عمل العقل. ويبحث الكتاب في معنى الكيفية ؛ حيث يربط ذلك بالناحية النفسية. ومن الأمور التي يمكن أن يفهمها القارئ من خلال هذا الكتاب أن الدماغ إن سلّمنا أنه بكينونته الفيزيائية يحوي العقل بماهيته الوظيفية - الروحية، هو بالفعل مثل العضلة التي تتمرّن مع كثرة الاستخدام. فعلى سبيل المثال، فإن الشخص الذي يعتاد أن يتذكر الأشياء، فإنه يمرّن لديه قدرة الحفظ واسترجاع المعلومة من خلال التذكّر. ومع الوقت تُصبح هذه مهارة واضحة لديه، بينما الشخص الذي يقرّر أن يكتب كل شيء يمر عليه في ورقة أو يخزنه في هاتفه، فإنه لايستخدم قدراته العقلية في التذكر ممّا ربما يجعله يعاني من بعض المشكلات في التذكر، لأنه لم يعرف كيف يتمرّن على ذلك ، أو لايثق بقدرته الشخصية في ذلك.

وحين النظر بشكل علمي للعلاقة بين استخدام العقل والذكاء، فإن هناك الكثير من الأبحاث التي تشجّع الآباء والأمهات على محاولة تعريض أطفالهم الرضّع وحديثي الولادة لمثيرات معينة من خلال اللون والحجم والصوت تزيد من الاستجابة الجسدية لدى الطفل، على أساس أن الطفل الذي يتعرّض لمثل هذه المثيرات الصحيّة يتمكّن من النمو عقليًا بشكل سريع، بحيث يمكن للخلايا العصبية في جهازه العصبي أن "تنضج". بمعنى أن الارتباطات العصبية فيما بينها تكثر، لكي يفهم الطفل الصورة التي أمامه ويخزّن معناها في الذاكرة.

وتتوالى هذه الأبحاث في أهمية القراءة للأطفال وتعويدهم على ذلك، بما يساعدهم على تطوير لغتهم، وكذلك في فهم العالم من خلال قصص منتقاة تعرض قيمًا تساعدهم على النجاح الاجتماعي والشخصي.

وعلى النقيص، فالأبحاث الطبية تحذر من الخمول العقلي وترى أن هذا سبب مباشر، وله علاقة أكيدة ببعض الأمراض العصبية التي تُصيب الإنسان، مثل مرض الخرف أو الزهايمر. فقد نشرت BBC عن أطباء أمريكان أن مشاهدة التلفزيون لساعات طويلة وعدم الرياضة أو التحرّك يُساعد على الخمول العقلي، وربما يتسبب في مرض الزهايمر بشكل مبكر. ويذكر أحد الأطباء وهو Robert Friedland أن الفريق بحث في ثلاثة أنواع من الأنشطة وهي: السلبية (التلقي غير النشط مثل مشاهدة التلفاز أو عدم التفكير في أمر ما وجعل الآخرين يقومون بذلك)؛ والعقلية (التمارين العقلية التي تقتضي استخدام للعقل)؛ والجسدية (التمارين الرياضية). وقد وجدوا أن مرضى الزهايمر هم الأكثر خمولا عقليًا وجسديًا بين جميع الفئات في مراحل عمرية سابقة ؛ بحيث لم يكونوا نشطين عقليًا مثل غيرهم. بمعنى أنهم يكثرون من الجلوس في المنزل ولايستخدمون عقولهم بشكل صحي، بل يركنون غالبًا لسؤال الآخرين. وحين كبروا في العمر أصبح ذلك أمرًا اعتياديًا، وأضيف إليه الاتكال على غيرهم في معظم إن لم يكن جميع أمورهم.

وذكر الفريق الطبي أن الدماغ صنع لكي يُفكر ويعمل، وحينما لانستخدمه جيدًا فإن هذا يتسبب في أمور غير صحية لنا.

وفي ذات الموضوع نشرت صحيفة USA TODAY تقريرًا طبيًا يبين أن مزاولة الأنشطة والهوايات تساعد على تأخير مرض الخرف، وذلك لأن الإنسان يعيش حياة نشطة..

ويقول الطبيب Zaven Khachaturian إن الوظائف التي تقتضي استخدام العقل هي مفيدة للغاية لأصحابها، لأنها تمنع أو على أقل تقدير تؤخّر ظهور الخرف في العمر المتقدم. وقد نشرت BBC News أنّ الأنشطة العقلية مثل القراءة ولعبة الشطرنج مفيدة للغاية في محاربة بعض الأمراض العصبية مثل الخرف.

وعند النظر لهذه الأبحاث وغيرها يمكن لنا أن نفهم أن الإنسان قد يُولد بعقل سليم فيه جميع القدرات الذهنية المهمة حيويًا، ولكن مع الممارسة الخاطئة من خمول جسدي وعقلي وعدم استخدام العقل في التفكير في أمور الحياة كاملة يمرض هذا العقل ويتسبب فعلا في عرقلة النمو الذهني، فيصبح الكسل العقلي الذي اختاره الإنسان في بداية الأمر بنفسه قدرًا حتميًا. ولأنه لم يستخدم عقله فسيفقد الكثير من قدراته الذهنية، مما يتسبب - بشكل طبيعي- في حاجته الحقيقية لغيره لكي يفكروا نيابة عنه بل وربما يهتموا به.

وربما نتذكر هذه الحاجة الملحة لاستخدام عقول الآخرين للتفكير حينما نرى البعض يسأل بعض المشايخ والمعلمين والعامة عن أمور معينة ربما نستغرب كيف لايمكن أن يعرفوها من المنطق والخبرة، بل من مجرد كونه على قيد الحياة يرى مَن حوله كيف يعيش ويتصرف. ولكن حينما يكون هذا الشخص عاجزًا بشكل حقيقي عن اتخاذ القرارات في حياته كونه اعتمد منذ الصغر أن يسأل غيره في كل صغيرة وكبيرة، سنفهم أن مثل هذه الأسئلة وغيرها من التصرفات قد تكون نذيرًا لمشكلة ذهنية تبين أن الشخص لايستخدم عقله بالصورة الصحيحة؛ فالإنسان خلقه الله مكرمًا بهذا العقل الذي حير العلماء بقدراته الفيزيائية والميتافيزيائية.