جيل السبعينات في الهند ما زالوا يذكرون "إبن الملوح" ملهم الشعراء العذريين، وتختزن ذاكرتهم الأدبية جبل "التوباد" الذي كان مسرح العشاق والمحبين، ففي جوانبه قضى "مجنون بني عامر" أروع الذكريات، وتجرع فيه مرارة الآهات، وعلى سفوحه وترابه ناح "المجنون" بأروع القصائد العذرية وفي "غاره" الشهير بكى فراق "ليلى العامرية" وقد خاطبه أسطورة الشعر العربي قيس بن الملوح "مجنون ليلى" قائلاً:

واجهشت للتوباد حين رأيته

وكبر للرحمن حين رآني

عشاق العرب... كلٌ يدعي وصلا بليلى

فأين هو "جبل التوباد"؟ وما الذي سطره هذا المكان القفر في صفحات الأدب العالمي؟ ومن هم بنو عامر؟ وأين تقع ديارهم؟ وهل تزوج "المجنون" عشيقته وابنة عمه؟ وهل العشيقة "ليلى" موقوفة على قيس فقط؟ ثم ماذا عن "قيس لبنى" وعلاقته بقيس "ليلى" وأخيرا هل "المجنون" قصة واقعية أم أسطورة تتأرجح بين الحقيقة والخيال؟ كل هذه الأسئلة وإجاباتها تتضح من خلال هذه القراءة، وهذا الاستطلاع الجغرافي والأدبي عن جبل التوباد وقصة مجنون بني عامر؟

الموقع

في بلدة الغيل بين المزارع والنخيل يبدو جبل التوباد شامخاً تحيطه الخضرة وبرك الماء وتغازله نسائم الربيع وهبوب الشتاء ورياح الصيف الحارة بحرارة ما يحمله قيس وليلى من لواهب العشق والشوق.

تقع بلدة الغيل شمال غرب محافظة الأفلاج على بعد قرابة 50 كلم وتشتهر ببساتينها ومزارعها وكرم أهلها ودماثتهم، حيث ما زالوا يحتفظون بمكارم الأخلاق والآداب العربية النبيلة، والداخل إلى بلدة الغيل سيجد صعوبة في الوصول لجبل التوباد الملاصق للبلدة وذلك لتشابه الطبيعة الجغرافية لتضاريس المنطقة، وكثرة الجبال الصخرية إلا أن الوصول إلى التوباد سيكون سهلاً إذا استعان الزائر بمشورة أهل البلدة التي تبعد عن مدينة الرياض قرابة 300 كلم، ويتصف جبل التوباد بأنه ذو ارتفاع متدرج يميل إلى العلو من جهة الغرب ويبلغ طوله قرابة 300 متر ويتوسطه غار يعتقد أنه مسرح لقاء قيس وليلى حينما كانا يرعيا الغنم في صغرهما.

بني عامر

يجمع النسابون أن قبائل بني عامر من أشهر وأعرق القبائل العربية وهم ينحدرون من قبائل هوازن القيسية من قيس عيلان بن مضر بن نزار من معد بن عدنان من سلالة إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وقد استقرت قبائل بني عامر في الوسط الجنوبي الغربي من الجزيرة العربية بين الحجاز ونجد وتهامة، وفي ما يعرف الآن بوادي الليث ورنية ومن أشهر قبائل بني عامر (بنو جعدة وبنو نمير وبنو قشير وبنو هلال وبنو عقيل وبنو كلاب وبنو كعب)، وقد هاجرت بعض هذه القبائل مع الامتداد الإسلامي في كافة أنحاء الوطن العربي كغيرها من القبائل، وأسسوا دولاً وممالك متفرقة كالعقيلية شمال العراق لبني عقيل والعصفوريين في البحرين والأحساء وبنو هلال في هجرتهم المشهورة إلى بلاد المغرب مروراً ببلاد الشام ومصر واستقرارهم في المغرب العربي.

في كل حي ليلى

لم يكن المجنون وحده هو من هام بليلى ولكن "ليلاه" تختلف عما سواها فقصة "مجنون ليلى" ضُربت لها أعناق الإبل وتحدث الناس عنها في الشرق والغرب حتى قال الشاعر:

وكلٌ يدعي وصلا بليلى

وليلى لا تقر لهم بذاك

وكذلك الحال مع قيس فقد روي أن امرأة عجوز من بن عامر سُئلت عن قيس، فقالت: أيهم فهم كثر ثم ذكرت قصائد كل واحد منهم على حدة.

ولذا يكثر الخلط بين ليلى العامرية ونظيراتها اللائي عرفن بتشبب بعض الشعراء بهن، ولعل ليلى الأخيلية تعد أشهر العشيقات ورغم أن هذه الأخيرة كانت عشيقة توبة الحميري الذي توفي قبلها بسنين وقصصها مشهورة لاسيما في مجالس الحجاج بن يوسف حيث كانت من الفصاحة والبيان والأدب بمكان لا يسمو إليه إلا من يماثلها في النبوغ وقصصها منقولة مشهودة في كتب الأدب وهي أقرب في صحتها من قصص ليلى العامرية ولعل نسبها إلى بني عامر ومعاصرتها ليلى العامرية زاد من فرص الخلط بين العشيقتين.


غار جبل التوباد مكمن أسرار المجنون

قيس ليلى الأسطورة

ذكر الأصفهاني أن أيوب بن عباية قال: سألت بني عامر بطناً بطناً عن مجنون بني عامر، فما وجدتُ أحداً يعرفه.

ونقل عن الأصمعي قوله: رجلان ما عرفا في الدنيا إلا بالاسم: مجنون بني عامر، وابن القرية، وإنما وضعهما الرواة.

وقال ابن الكلبي: حُدثت أن حديث المجنون وشعره وضعه فتى من بني أمية كان يهوى ابنة عم له، وكان يكره أن يظهر ما بينه وبينها، فوضع حديث المجنون وقال الأشعار التي يرويها الناس للمجنون ونسبها إليه.

وقال الجاحظ: ما ترك الناس شعراً فيه كلمة ليلى إلا نسبوه لابن الملوح ولا كلمة لبنى إلا نسبوه لقيس بن ذريح.

وقال العتبي عن عوانه أنه قال: المجنون اسم مستعار لا حقيقة له، وليس له في بني عامر أصل ولا نسب، فسئل من قال هذه الأشعار؟ فقال: فتى من بني أمية.

وقال الرياشي: سمعت الأصمعي يقول: الذي ألقى على المجنون من الشعر وأضيف إليه أكثر مما قاله هو.

الخلط بين ليلى ولبنى ظاهرة أدبية

قيس ليلى وقيس لبنى

وإذا كان الخلط بين ليلى ونظيراتها مشهور ومتداول بين الأدباء ورواة الشعر فإن قيس أيضاً وقصائده لم يكونا بعيدين عن هذا الخلط إذ لطالما تواردت الأخبار وتشابهت الروايات والمنقولات من الشعر والقصص بين قيس بن الملوح "قيس ليلى" وقيس بن ذريح "قيس لبنى"، ورغم أن الاثنان عاصرا القرن الهجري الأول بل أدرك كل منهما الآخر وإن لم يلتقيا فإن معظم القصص والأخبار المنقولة عن الاثنين تكاد تتطابق مع بعضها البعض لاسيما وهما جميعاً كانا يعيشان وسط جزيرة العرب، إلا أن الرواة وإن كانوا مختلفين حول حقيقة مجنون بني عامر "قيس ليلى" فإنهم متفقون على حقيقة شخصية قيس بن ذريح "قيس لبنى" بل إن الروايات تتعدى ذلك لتنقل لنا أن الحسين بن علي (عليهما رضوان الله) كان شفيع قيس بن ذريح في زواجه من لبنى بل تنقل لنا الروايات المتواترة كيف استقبل والد لبنى وأعيان قبيلته الحسين بن علي (رضي الله عنهما) بكل رحابة وبشاشة وضيافة وكيف قبلوا وساطته في ابن ذريح مع كونه من قبيلة أخرى، وهنا يكمن الفارق الأبرز بين القيسين فابن الملوح هام على وجهه في الأرض ومات ولم ينل حظوة زواجه من معشوقته التي طالما أقضت مضجعة وأدمعت عينه وجاشت بمشاعره ووجدانه فسطر فيها أروع القصائد وأجمل الأشعار في حين حظي ابن ذريح بزواجه بلبنى لمدة عشر سنوات ولكنه طلقها بعد ضغوط من والديه لكونها لم تنجب له وهو وحيد أمه وأبيه.


لوحة إرشادية إلى موقع جبل التوباد

ومع أن ابن الملوح وعشيقته ليلى يعتبران بمنطق القرابة والرحم أبناء عمومة لكونهما من قبائل بني عامر إذ إن قيس من بني جعدة وليلى من بني كعب وكلاهما من بني عامر من هوازن القيسية إلا أن هذا لم يشفع لهما في الزواج بسبب تعنت والد ليلى الذي رفض - كما تشير الروايات تزويج ابنته من رجل شهّر بها في قصائده مما قد يجعله وابنته أحدوثةٌ بين أحياء العرب. هذا إذا علمنا أيضاً أن ابن ذريح كان من بني كنانة وكانت لبنى من بني عذرة، وإن كان الخلط بين "القيسين" قد تجاوز الأشخاص وأسماءهم إلى ما روي عنهم من الأشعار والقصائد والقصص والمنقولات فحين عبر ابن ذريح عن أمنية برؤية لبنى ومشاهدتها بقوله:

وإني لأهوى النوم في غير حينه

لعل لقاء بالمنام يكون

تحدثني الليالي بأني رأيتكم

فيا ليت أحلام المنام يقين

كان هذا التعبير قد تكرر أيضاً في قول ابن الملّوح في قصيدته المسماة ب "المؤنسة":

وإني لأستغشي وما بي نعسة لعل خيالاً منكِ يلاقي خياليا

وفي حين قبّل ابن ذريح أثر قدم بعير ليلى الذي نقلها إلى أهلها بعد طلاقه البائن لها قال:

وما قبّلت أرضكم ولكن

أقبل أثر من وطئ الترابا

لقد لاقيت من كلفي بلبنى

بلاء ما أسيغ له شرابا

إذا نادى المنادي باسم لبنى

عييت فما أطيق له جوابا


الممثل الهندي الشهير (رشي كبور) مثّل دور قيس بن الملوح العربي

وقريب من هذا التصوير يقبل ابن الملّوح جدران منازل ليلى ويصيح معبراً عما يعانيه من لواهب الشوق وحرارة الوجد قائلاً:

أمر على الديار ديار ليلى

أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديار شغفن قلبي

ولكن حب من سكن الديارا

الطب الحديث ووفاة المجنون

قيس بن الملوح... أسطورة بين الحقيقة والخيال هل توفي بتصلب الشرايين ؟

وفي دراسة حديثة صدرت في كتاب للشاعر والدكتور حجر بن أحمد البنعلي وزير الصحة القطري السابق خلص في خاتمتها أن قيس بن الملوح توفي بتصلب الشرايين وذلك من خلال تحليل أشعار "المجنون" بمنهج الفحص الطبي لاكتشاف الأسباب العلمية التي نتجت عنها وفاة "المحب الهائم" قبل أكثر من ألف وثلاثمائة وخمسين عاماً ورغم أن هذه الدراسة تعد الأولى من نوعها لاسيما وهي تتحدث عن أسباب الوفاة إلا أن الاختلاف في قصة وفاة "قيس ليلى" يبدو محصوراً في فقدانه لعقله وهيامه في الصحارى والشعاب مع احتمال أن تكون الوفاة بسبب عطش أو جوع أو تعرضه للدغة ثعبان أو عقرب مميت.

عالمية قيس وجبل التوباد

وإن كانت قصة ليلى ومجنون بني عامر تعد من أشهر قصص العشق في الأدب العالمي بل يكاد المؤرخون والأدباء يجمعون على أنها الأشهر والأكثر انتشاراً في الأغراض الأدبية، فعلى مستوى التراث العربي بز ابن الملوح نظراءه في ملحمة العشق والغرام كقيس بن ذريح وعروة بن حزام وجميل بن معمر وكثير عزة في العصر الجاهلي وعصر صدر الإسلام، كما فاق العباس بن الأحنف صاحب "فوز" ودوقلة المنبجي وابن زيدون متجاوزاً في شهرته العالمية قصص روميو وجوليت وشاه جهان وأرجمند بانو وكيليو باترا وإكتوفيوس وقصص سمير اميس والألف ليلة وليلة، حتى لقد ترجمت حياة ابن الملوح لعدة لغات وأفردت في عدة رويات، كما شوهدت في مسرحيات أدبية عديدة لعل من أشهرها ما كتبه أمير الشعراء في مسرحية "قيس وليلى" عن أنيس وحدتهم ومكمن أسرارهم "جبل التوباد" حين قال:

جبل التوباد حياك الحيا

وسقى الله صبانا ورعا

فيك ناغينا الهوى في مهده

ورضعناه فكنت المرضعا

وعلى سفحك عشنا زمنا

ورعينا غنم الأهل معاً

هذه الربوة كانت ملعبا

لشبابينا وكانت مرتعاً

ما لأحجارك صما كلما

هاج بي الشوق أبت أن تسمعا

كلما جئتك راجعت الصبا

فأبت أيامه أن ترجعا

قد يهون العمر إلا ساعة

وتهون الأرض إلا موضعا

جبل التوباد في الهند

ولم يقف ذلك على الأغراض الأدبية والفنون الشعرية بل تعداها إلى الدارما العالمية فكم من مسلسل تمثيلي وفلم وثائقي خلص في مادته إلى عرض قصة قيس وليلى في مسرح جبل التوباد القابع في جنوب فيافي نجد القاحلة، ولعل جيل السبعينات الميلادية في شبه القارة الهندية لا يزال يتذكر بل يستحضر أحداث الفيلم الهندي الشهير "قيس وليلى" الذي أخرجه المخرج العالمي المعروف "هرنام سنغ راويلي" ومثل فيه "ريشي كبور" دور قيس بن الملوح والممثلة الهندية الشهيرة "رنجيتا" دور ليلى العامرية أحداث هذا الفيلم اضطرت فريق العمل أن يعد لهذا العمل الدرامي العالمي بيئة درامية مستسقاه من أرض العرب بل من جنوب نجد حيث يقبع هناك جبل التوباد.


الجهة الغربية من الجبل