لم يدر في خلد والدة شاب يعمل في أمن مطار الملك فهد في الدمام، اعتاد أن يقبّل جبينها في كل يوم، كان يجهز نفسه للدخول في القفص الذهبي، بأنها ستفقد ابنها بسبب حادث مروري أودى بحياته، عندما فقد السيطرة على سيارته بسبب الكثبان الرملية، التي تنتشر على طريق مطار الملك فهد الدولي، ليصطدم بإحدى المعدات الثقيلة المتوقفة على جانب الطريق.

ويشكو الكثير من مستخدمي الطرق البرية على الطرق السريعة -وتحديداً طريق الرياض الدمام- من تفاجئهم بوجود كثبان رملية جراء الزحف المستمر من الرمال، خصوصاً في المواسم التي تزداد فيها سرعة الرياح، وتساهم بشكل كبير على زيادة تجمع الكثبان الرملية على الطرق، مما يسبب حالات إرباك لقائدي المركبات، ويعرضهم لخطر الحوادث، مما حدا بالكثير من مستخدمي الطرق السريعة، بالمطالبة بوضع حلول لمواجهة هذا الزحف المخيف.

الرعي الجائر والتحطيب

ويصف "د.عبد الباقي التيسان" رئيس قسم عمارة البيئة بكلية العمارة والتخطيط في جامعة الملك فيصل بالدمام، ظاهرة زحف الرمال والتصحر والتعرية بالظاهرة العالمية، التي تشكو منها الكثير من الدول، بسبب قلة المياه والأمطار، إضافة إلى الرياح المحملة بالأتربة والغبار، وتنشط في الدول الصحراوية، كالمملكة التي تعرف بكبر مساحة صحاريها، مما يؤدي لتأثر مدنها ومزارعها، محملاً بعض التصرفات التي يقوم بها المواطنون والمقيمون قليلو الوعي، والذين أثروا بشكل كبير على فقدان الغطاء النباتي، جراء الرعي الجائر أو التحطيب غير المسموح به، مما أدى لتناقص ملحوظ في المناطق الزراعية وزيادة المناطق الصحراوية، مضيفاً في الوقت الذي تعمل فيه الكثير من الجهات للحد من العوامل الطبيعية التي تساهم في زحف الرمال، يقوم الكثير من الناس على المساهمة في زيادة "التصحر" بسبب الجهل وقلة الوعي، إلى جانب تجاهلهم للكثير من التوصيات التي تطلب عدم رعيهم أو تحطيبهم في بعض المناطق التي تحتاج إلى زيادة المسطحات الزراعية فيها.

لا توجد جهود جماعية

وأشار "د.عبد الباقي" إلى عدم وجود جهود جماعية لوضع حلول جذرية من شأنها إيقاف هذه الظاهرة، فالبلديات والزراعة وكذلك الشركات الخاصة، كلها تعمل بشكل فردي، بوضع حلول لا يتم الاستفادة منها في المستقبل، مما يضيع الكثير من الجهود والطاقات، مطالباً بأن تنتبه وزارة الشئون البلدية والقروية ممثلة بالبلديات، لعمل "مسيجات زراعية" خارج المدن، وخصوصاً في الاتجاهات التي تشهد رياحا شديدة وزحفا قويا للرمال، لتكون "مصداً طبيعياً" يساعد على القضاء على هذه الظاهرة، مقترحاً بأن يتم الاستفادة من المياه المعالجة من الصرف الصحي، لري "المسيجات" التي تحتاج لكميات كبيرة من المياه.

توجيه مقاولي النظافة

من جهته أكد "حسين البلوشي" الناطق الإعلامي بأمانة المنطقة الشرقية، على قيام الأمانة بتوجيه مقاولي النظافة، لإزالة أي تراكمات رملية على الطرقات، خصوصاً في أوقات الصيف، والتي تنشط فيها الرياح المحملة بالأتربة، إضافة إلى تكثيف زراعة الأشجار وذلك ليقينهم بأنها من أفضل الحلول للقضاء على هذه الظاهرة، مضيفاً نحن على استعداد تام للتعاون مع أي جهة في سبيل الحد من زحف الرمال التي تؤرق الكثير من قائدي المركبات ممن يخشون استخدام الطرق البرية.

تجارب لوقف زحف الرمال

واستطاعت بعض الدول النجاح أو التقليل بنسب كبيرة من زحف الرمال، أو صد الرياح المحملة بالأتربة والغبار، خصوصاً بعد أن لاحظت ما قد يسببه تجاهل هذا المد الطبيعي على القرى والمدن، حيث تعرضت قرية العمران القديمة التي كانت تقع شمال شرق محافظة الأحساء للدفن الكامل، بسبب زحف الرمال ما جعل وزارة الزراعة منذ السبعينات تنتبه لهذه الظاهرة، لتقوم بعدة تجارب في سبيل وقف هذا الزحف من خلال الاستفادة من تجارب الدول الأخرى، حيث تم رش كميات من الإسفلت على الكثبان الرملية، لمنعها من الزحف على الطرق، إلا أن هذه الطريقة لم تكن مجدية على المدى البعيد، وذلك بسبب أن الرمال بعد فتره من الزمن، تقوم بتغطية هذه الطبقات لتواصل زحفها من جديد.

مسيجات زراعية

وتم بعد ذلك عمل مسيجات من سعف النخيل، إلا أنها أيضا لم تصمد في وجه قوة الرياح، لتكون تجربة ذات نتائج مؤقتة أيضاً، بعدها استعانت وزارة الزراعة بخبراء من استراليا والصين، لوضع خطط إستراتيجية طويلة الأمد، لمواجهه هذا المد الرملي، حيث اقترح الخبراء زراعة نبات الأثل في المنطقة الشمالية الشرقية لمحافظة الأحساء، بكميات كبيرة وبصفوف مختلفة، ساعدهم في ذلك الوقت ووفرة المياه بالمحافظة، والتي لعبت دوراً مهماً في نجاح هذا المشروع، والذي يعرف بمشروع "حجز الرمال في الأحساء"، ليتحول بعدها إلى "متنزه الأحساء الوطني"، والمكون من الكثير من الأشجار، لتكون سياجا وحاجزا طبيعيا لصد الهجمات الطبيعية من زحف الرمال، على الجانب الشمالي والشرقي للمحافظة، ما يؤكد بان الحلول البيولوجية والطبيعية هي الأفضل على المدى البعيد، إلا أن صعوبة تطبيق هذه التجربة على الكثير من مناطق المملكة يكمن خلفه قلة وفرة المياه.

ووصف "الحاج أبو مطلق" مشروع حجز الرمال ببلدة العمران، بالتجربة الرائدة والفريدة، والتي سببت نقلة نوعية للبلدة، التي عانت بيوتها وممتلكاتها ومزارعها من زحف الرمال، داعياً لمزيد من الاهتمام بها وتوفير الصيانة التي تضمن استمرارها وعدم زوالها.