أعتذر أولا للأفلام المصرية القديمة التي أطلعتنا على بعض قيم المجتمع آنذاك عبر لافتة صغيرة من " قعر " صندوق الكرتون كتب عليها بخط اليد الغفل من أي مهارة حتى ليصعب قراءته " الشكك ممنوع والزعل مرفوع والرزق على الله " ، توضع عادة تلك اللافتة على أبواب الدكاكين الصغيرة من الداخل، حتى اذا ما فتح الباب واستند الى الجدار أصبحت اللافتة في مواجهة كل قادم تنبهه الى المبدأ . كل البضاعة داخل الدكان الصغير قد لا تساوي عشرة ريالات هي رأسمال صاحبه ولهذا لا يحتمل الأمر أن يبيع الرجل نصف ما يملك بالآجل.

الحقيقة أنني أنظر الى تلك اللافتة من زاوية أخرى، من حيث إنها تمثل أخلاقيات الناس في تعاملاتهم المعقودة على الصدق والصراحة ولو كانا جارحين، وعلى الأمانة والاخلاص واليقين بأن الله سبحانه وتعالى يوزع الأرزاق مهما كانت ضآلة حجم التجارة .

تغير في زماننا مصطلح " الشكك " الممنوع الى الآجل الميسر الذي سموه " البيع بالتقسيط" الذي وضعت له مختلف قواعد التسهيل تشجيعا على " الشكك " وتغيرت البضاعة المعروضة للبيع والمحظورة " الشكك " من مجرد علبة كبريت بنصف ريال الى سيارات وأراض وعقارات مرورا بالأدوات الكهربائية والأثاث، وحل محل الاتكالية في الرزق شعار آخر يرى أن " التجارة شطارة" ، وما دامت المسألة قد أصبحت مسألة شطارة فلا بأس من قليل من الكذب، يزين البضاعة، لإقناع المشترى أو حتى اغرائه، ثم لا بأس من الحيلة والمراوغة، ثم لا بأس من التحايل والاحتيال إن لزم الأمر، ثم لا بأس من مبلغ اضافي فوق المستحق تعويضا عن التأخير ( علماء الدين هم الذين يقولون لنا إن كان هذا يدخل في فتوى الربا أم لا)، ثم لا بأس من مضاعفة قيمة الصكوك ضمانا لاسترداد المستحق، واذا تلكأ المدين يكون هو الجاني على نفسه اذا سجن أو عوقب بالقيمة الوهمية المبالغ فيها، ثم وجدت ألاعيب النصب والاحتيال والتزوير وحتى السرقة فرصة تندس عبرها الى نشاطات " الشكك " ..

مرة أخرى أنا أنظر الى الأمر من زاوية أخرى، من حيث إنها تمثل أخلاقيات مغايرة في التعاملات بين الناس، لا يشفع لها أن الأزمنة قد تغيرت ولا تبررها الدعوى أو الزعم بتيسير الحاجة للمحتاج، أو بأن هذا شكل من أشكال التكافل الاجتماعي، فالتكافل لا يمنح بشروط التكبيل ، ولا يتوسل بأساليب الغواية والترهيب المفرغة من أي قدر للصدق والصراحة.