تستخدم عبارة "العوض على الله" للتخفيف على النفس من وقوع مصاب لايمكن التعويض عنه. ومن ذلك فقدان العقل؛ فتقال هذه العبارة في سياق التحسّر على شخص تعرّض لمصيبة أو حادث أدّى إلى أن يفقد الشخص عقله، ومنها السخرية من شخص تُمضي وقتاً طويلاً في مجادلته فتجد أن فهمه مستغلق نهائياً وربما أدرك خلاف المقصود.

ويأتي ضمن التعويض –بمفهومه العام- الجانب المالي، وهو الذي يبحث الناس عنه ويُمضون أوقاتهم طلباً له. ورغم أن المال الذي يأخذه المرء مقابل عمله هو تعويض يقابل ذلك الجهد إلا أنه حق مكتسب ولا يدخل في الغالب ضمن مفهوم "التعويض" المتعارف عليه.

وأبرز جوانب التعويض المالي ما يُطالب به البعض مقابلاً للحقوق الأدبية التي يُقصد بها في هذا السياق الإهانة الشخصية أو الإهانة الوظيفية أو التشهير أو تشويه السمعة أو التضليل والخداع والكذب وإخفاء المعلومات..إلخ. وهذه جوانب معنوية ذات أهمية كبيرة، لم تغفل عنها القوانين والشرائع الدينية، فالقذف مثلاً في الإسلام له معايير مُحدّدة وله عقوبة صارمة تقع على المعتدي.

وتقع على المحامي مهمة صعبة في إثبات وقوع الضرر المعنوي على موكله لأن الضرر المعنوي هو مجرد دعوى لا تثبت دون براهين عمليّة يمكن التثبت من صحتها حسيًّاً. وفي أمريكا مثلاً يستعين المحامي بجميع المعطيات التي تثبت أن موكله قد لقي ضرراً معنوياً جرّاء تشويه السمعة مثلاً، فيكشف أن الموظف قد تعرّض للفصل من وظيفته أو نُقل منها أو لم يحصل على ترقية أو لم يعد يُكلّف بمهام ذات قيمة مقارنة بوضعه قبل الضرر..إلخ، وربما يكشف أن هذا الشخص طلّقته زوجته أو هجرته أو تركه أولاده أو لم يعد يُدعى للمناسبات العائلية..إلخ، شريطة إثبات أن تشويه السمعة حصل بشكل متعمّد قُصد به إعلام المجتمع بصفات سلبية (ثبت أنها غير صحيحة) عن هذا الشخص عن طريق النشر المكتوب أو الحديث الشفهي على مشهد من الناس.

وينطبق الأمر نفسه على الكذب والتضليل والخداع الذي يُسقط المرء في مصيدة، فالأنظمة لديها معايير لإثبات التهمة وإيقاع العقوبة في حال ثبوتها. وتأتي مهارة المحامي وذكاؤه في تأويل المعطيات وربطها بالنتائج والخلوص إلى وثائق وأدلّة تثبت الدعوى أو تنفيها في حال الدفاع.

وعندنا جهة رسمية تُراعي ما يقع على الموظف أو المواطن أو المقيم من ضرر من جهة حكومية؛ وهذه الجهة هي ديوان المظالم الذي يسعى جاهداً لإنصاف المظلومين ورد الاعتبار لمن وقع عليهم ضرر معنوي بحدود معينة. وقد سمعنا وقرأنا قرارات صدرت من ديوان المظالم ضد جهات حكومية عديدة أنصفت موظفين من أذى حسّي أو معنوي وقع عليهم. ولكن الضرر المعنوي الذي يقع بين الأشخاص، يخضع –في الغالب- للتداول بين الأشخاص أنفسهم، وقد يرفع إلى الجهات الأمنية والمحاكم، لكن إجراءاته غير واضحة بدرجة تساعد على مناقشته.

وفي الفترة الأخيرة، ظهرت على السطح مطالبات بالتعويض بالملايين لرد اعتبارات شخصية، وهي متّصلة بقضية التنازل عن القاتل مقابل مبالغ طائلة. وإذا كانت قضية القتل واضحة وذات أثر حسي، فإن قضايا رد الاعتبار لا تقل أهمية عن القتل الحسي، ولكن ليس هناك اتفاق بشأنها. فالبعض –مثلاً- لايرى لها أي قيمة ويجد أن الحديث فيها أو بحثها هو مضيعة للوقت والجهد، وهناك من يُعطيها قيمة تعلو فوق أي قيمة أخلاقية أخرى.

ومع الاهتمام بحالات المطالبة برد الاعتبار إلا أننا لايمكن أن نغفل وجود خلل نفسي يتعلّق بالحساسيّة المفرطة التي تتسم بها بعض الشخصيات العصابية وتضخيمها للأمور بشكل مبالغ فيه يخرج عن الواقع ويتجاوز الحدود التي يمكن أن تُصدّق.

وفي ظل هذا التطرف في النظر إلى موضوع رد الاعتبار، ظهرت دعاوى تطالب بتعويضهم بملايين جراء إهانة وُجّهت إليهم فأدّت إلى انكسار خاطرهم وتكدّر مزاجهم حتى لو كانت تلك الإهانة غير مقصودة. فأحد الموظفين –مثلاً- يريد أن يرفع قضية على رئيسه في العمل لمطالبته بتعويضه بخمسة ملايين ريال بسبب ما سببه له من جُرح غائر في أعماقه لأنه سخر من اقتراحه. ويكمن اقتراحه الذي تقدّم به شفهياً لرئيسه في تغيير لون فرش المكتب إلى لون فاتح بدلاً من اللون الأزرق الداكن الذي ربما يجلب الاكتئاب والإحساس بالتوتّر؛ ووجد أن رئيسه لم يأبه باقتراحه؛ وحينما كرر عليه ذلك في أكثر من مناسبة قال له: لا تشغلني، واهتم بما هو أهمّ. ورأى أن كرامته قد مُرّغت في التراب وأن زملاءه صاروا يتهامسون وينظرون إليه نظرة احتقار، مما جعل ذهنه يتشتّت وأصيب جرّاء ذلك بالأرق ولم يعد ينام بطريقة مريحة. ولهذا فإنه يطالب بالتعويض المالي لكي يتقاعد مبكراً ويتخلّص من هذه الوظيفة نهائياً.

ورغم أن هذه حالة تبدو متطرفة إلا أن لها ما يُشبهها بأبعاد أقل حدّة، فهناك فعلاً من انشلّ تفكيره وتدمّر كيانه كُليّة فاضطر إلى ترك العمل وتفرّغ لملاحقة موضوع رد الاعتبار.

وقد وجدت موظفين يطالبون بمكافآت مجزية فقط لأنهم يداومون دوامهم العادي، أو لأنهم يُنجزون العمل المناط بهم دون زيادة، وكأن المكافأة حق مشروع للجميع؛ فقلت لهم: وأنا بدوري سأطالب بمكافأة مجزية وبتعويض مالي ضخم مقابل أني أتنفّس. والعوض على الله.