يكشف الأستاذ الدكتور حمد الدخيل - عميد كلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الاسلامية سابقاً - مرحلة نقدية هامة وتجربة جديدة للكاتب الكبير مصطفى لطفي المنفلوطي مع النقد وذلك من خلال كتابه الأخير «آراء المنفلوطي في شعراء وكتاب عصره» الصادر عن النادي الأدبي الثقافي بجدة قبل اسابيع.

والكتاب يبرز دور الدخيل الباحث، في لم شتات المنفلوطي النقدي الذي كتبه قبل قرن من الزمان وبقي في بطون بعض الكتب والصحف القديمة، فيخرجه لنا موضحاً طريقة تناول المنفلوطي في النقد في تلك الحقبة ويظهر قسوة المنفلوطي عبر آرائه النقدية الصارمة كما يبين طريقة تلقي الشعراء والكتاب لهذه الآراء النقدية الهامة.

الباحث الدخيل يكشف في هذا الحوار ما يجهله الكثيرون عن تجربة المنفلوطي النقدية.

٭ على الرغم من ازدهار حركة النقد وتعدد مدارسها وكثرة النقاد، لماذا جاء اختياركم لدراسة نقد الأديب مصطفى المنفلوطي الذي عرف ببيانه المشرق وأسلوبه الرشيق ونتاجه القصصي؟

  • حينما نشر المنفلوطي آراءه النقدية في شعراء عصره وكتابه في مصر لم تكن هناك حركة نقدية مزدهره في تلك الأيام ولم تعرف مدارس النقد التي ظهرت بعد ذلك كمدرسة خليل مطران الرومانسية المتأثرة بالأدب الفرنسي ومدرسة الديوان ومدرسة او جماعة ابولو لأن المنفلوطي كتب آراءه في مطلع القرن العشرين ونشرها في الصحف قبل ان يضمها الى الجزء الاول من كتابة «النظرات» الصادر عام 1910م وكان النقد آنذاك يسير في خطوات وتيدة ويمثل بداياته الأولى والسبب في نشر هذه الآراء والملحوظات في كتاب مستقل، ان المنفلوطي عرف كاتباً، كتب المقالة الاجتماعية والأدبية والسياسية والقصة موضوعة ومترجمة ولم يعرف بصفته ناقداً أدبياً له آراؤه وأحكامه المستقلة في طائفة من شعراء عصره وكتابه، فهدفت من نشر هذه الآراء في النقد ان اثبت اسهامه في تقويم الإنتاج الأدبي في عصره والسبب الآخر ان هذه الملحوظات في النقد وئدت منذ زمن طويل، لأن المنفلوطي حذفها بعد ذلك من طبعات كتابه «النظرات» فأصبحت بهذا المقياس عزيزة، نادرة، ندرة الجزء الأول من نظراته المطبوع عام 1910م وقد خدمت نص المنفلوطي بضبطه والتعليق عليه والترجمة لجميع الأقلام الذين ذكرهم ومنهم بعض المغمورين بالنسبة لعصرنا وصدرت ذلك بدراسة موجزة عن المنفلوطي: حياته وآثاره وآرائه.

٭ ماهو التيار او المدرسة التي انطلق منها المنفلوطي في طرح آرائه النقدية؟ وهل اعتمد على بعض النظريات الغربية؟

  • انطلق المنفلوطي في طرح آرائه النقدية من مدرسة النقد عند العرب، ويبدو انه تأثر في آرائه بابن سلام الجمحي في طبقات فحول الشعراء، وبالآراء النقدية التي نثرها الجاحظ، وابن قتيبه والآمدي، والمرزباني في كتبهم. وثقافة المنفلوطي ثقافة عربية خالصة، لأنه ازهري، فلم يتح له معرفة لغة اجنبية، ولم تكن الترجمة عن الآداب الغربية شائعة حينذاك كالوقت الحاضر.

٭ هل صادفت آراء المنفلوطي النقدية ردود فعل قاسية وساخطة من الشعراء والكتاب؟

  • جميع الشعراء والكتاب الذين تناولهم المنفلوطي بالنقد كانوا احياء آنذاك، ماعدا البارودي، ومعظمهم من المشهورين الا القليل. واتسم نقده بالصراحة التي تصل احياناً الى حد الإيلام؛ ولذلك ووجهت آراؤه بحملة قاسية وردود فعل شديدة، ولاسيما بعد نشرها في النظرات.

٭ ما سبب العداء بين الأديبين المنفلوطي والرافعي، ولماذا حمل رأي الأخير الكثير من القسوة؟

  • النقد المتبادل بين المنفلوطي والرافعي سببه ان الرافعي كتب موضوعاً بتوقيع مستعار في مجلة الثريا عام 1905م، عنوانه (شعراء العصر)، وضع نفسه في الطبقة الأولى من الشعراء بعد عبدالمحسن الكاظمي، والبارودي، وحافظ ابراهيم، ووضع المنفلوطي في الدرجة الثالثة، وقال عنه: «قصائد هذا الشاعر كشفت عن سارقة لا بارقة، وليس له معنى ينفرد به، ولا هو ممن تشفع لهم الكثير». فكتب عنه المنفلوطي في طبقات الشعراء قوله: «طلب المعنى فأعياه، واستهان باللفظ فانتقم لنفسه منه، وعز عليه السكوت فما تكاد تراه صامتاً».

وكتب الرافعي نقداً لطبقات الشعراء وطبقات الكتاب في رسالة شخصية بعث بها الى محمود ابي رية مؤرخة بتاريخ 16/4/1916م.

وأثبتها ابورية في كتابه (من رسائل الرافعي) ورويتها في الكتاب ص:33، يقول الرافعي: «فأنت ترى ان المنفلوطي لا يكتب عن بحث ولا روية، وإنما هي كلمات يصور بها ما في نفسه. وإني لأعجب لسخافة كلمته في الشيخ جاويش، وفريد وجدي، وهما عالمان من كبار اهل الفضل، وأصحاب الأثر في هذه النهضة، ومن ذوي الأخلاق الراقية، ولو رأيتم الشيخ عبدالعزيز لرأيتم الأدب والرقة والذكاء والأنفة والتواضع في رجل واحد، وهو بعد عالم مدقق، يحمل شهادة علم النفس وفن التصوير من جامعة كمبردج، وشهادة دار العلوم، في حين ان الذي كتب عنه انما يحمل شهادة التقرب من سعد زغلول.

وبهذه الكلمات اراد ان يرضيه ويرضي اخاه فتحي باشا. وفي هذا كفاية. والخلاصة ان المنفلوطي يحسن ان يكتب ولكن الكتابة غير الدرس، وما الذي يكتب الحكم كالذي يصدر الحكم».

وممن نقده ايضا زكي مبارك في كتابه (الموازنة بين الشعراء).

٭ انتقد المنفلوطي مجابليه من اساطين البيان كاليازجي، وأرسلان، والرافعي، والمويلحي، وزيدان وغيرهم. هب ان المنفلوطي بين ظهرانينا كيف سيرى هؤلاء الكتبة في الصحف من ذوي الأساليب المسفة، والعبارات الركيكة، والكلمات الأعجمية؟

  • الذين نقدهم المنفلوطي من شعراء وكتاب يعدون من ارباب البيان، ومن ذوي الأساليب الرفيعة في التعبير، ومن المحافظين على سلامة اللغة وقوة الأداء، والمنفلوطي نفسه لا يقل عن هذا المستوى بياناً وبلاغة. وحين يوجد كاتب او ناقد في مستوى ادائه في عصر ابتذلت فيه لغة التعبير، ربما يغمد القلم يأساً في زمن اتسعت فيه الفجوة بين اسلوب الطرح واقعاً وأملاً.

٭ ما مرد حذف المنفلوطي آراءه النقدية في الشعراء والكتاب في طبعات النظرات الأخرى؟

  • السبب يعود في المقام الأول الى ان هذه الآراء قوبلت بنقد شديد ممن قيلت فيهم. والمنفلوطي عرف بدماثة الخلق، وحسن المعاشرة، وسلامة الطوية، ادبه مرآة نفسه، فلم يكابر، ولم يجادل، ولذلك رأى ان في ابقائها ايذاءً لزملاء القلم والمهنة وهم كثر.