مكن اعتبار آخر، أهم، أحدث، أسرع، وحتى أكبر.. تجارب التوطين الإنساني، في المملكة.. إن لم يكن في المنطقة.. التي تستدعي معها التوطين الحضري والحضاري، فتحولت «ثول» من قرية منسية تقع شمال محافظة جدة «ثاني أكبر المدن السعودية» وتبعد عنها 80 كيلو متراً، إلى واحدة من أشهر معاقل العلم والمعرفة في العالم.

هذا التوطين الذي قادته الحكومة، بتجسيد حلم الملك بجامعة عالمية، يليه بالتأكيد مسيرة توطين أخرى يقودها القطاع الخاص في مجالات شتى..، ومنها بالتأكيد التوطين الإسكاني الذي يستوعب سكان المدينة الجدد، القادمين من داخل المملكة وخارجها.

وحتى لا تبدأ سلسلة المضاربات، المغرية لملاك الأراضي، يجب أن تقطع تلك السلسلة، من خلال توطين مشاريع سكنية، تتولاها شركات تطوير عقاري حقيقة.. وأتمنى أن تحظى تلك الشركات الجادة، بدعم حكومي، ليس مادي، إنما بتمليكها أراضي بأسعار مناسبة، حتى يكون المنتج السكني في متناول الراغبين في التملك، ولعل تجربة التطوير الشامل التي طبقتها أمانة منطقة الرياض، أبسط توجه يمكن تطبيقه في المنطقة.

يوشهدت محافظة ثول تغيرات عقارية خلال الفترة الماضية وارتفاعا في أسعار الأحياء والمخططات العقارية، نتيجة وجود أعمال تنموية تعمل عليها الحكومة، بالإضافة إلى الحركة العقارية في المدينة التي نتجت عن تلك المشاريع.

وستشهد المحافظة مباني جديدة لكل من إدارات الحرس الوطني ومبنى حرس الحدود، بالإضافة إلى مرسى الصيادين، الذي يعتبر جانبا من حرفة الصيد، التي تعتبر موروثا مهما، خاصة أن الأمانة تحرص على الاستماع إلى رغبات ومتطلبات الصيادين.

وخصصت الحكومة السعودية مواقع جديدة للصيادين بدلاً من التي تم نزع ملكياتها، التي ستصبح مقراً ثقافياً وسياحياً، وسيتم العمل على تنمية هذه الحرفة.

وارتفعت الأسعار في المواقع المجاورة للمخططات المطورة.. وجاء الارتفاع في أسعار الأراضي نتيجة التطوير ومعالجة الأحياء، وترقب أهالي المنطقة للخدمات والبنية التحتية، إضافة إلى أن محافظة ثول ستعمل على أن تكون مدينة متكاملة من جميع الجوانب الاقتصادية.

وأشار خبراء عقاريون إلى أنه تمت معالجة تداخل مواقع الجامعة مع ما يقرب من 1000 قطعة أرض خلال عام، حيث تمت إزالة التعديات وتخطيط واعتماد مخطط بديل مجاور للجامعة داخل أحياء ثول، ويتم حاليا تسليم قطع الأراضي لملاكها، بالإضافة لتخصيص أراض حكومية للتعويض عن قيمة المباني التي كانت منفذة داخل حرم الجامعة. كما تم إيجاد إدارة لمراقبة الناقلات الخاصة بالتخلص المنظم من مخلفات البناء الناتجة عن أعمال الحفر بالجامعة، وذلك لتلافي رمي مخلفات البناء العشوائي بالمحافظة.

وكان عقاريون قد توقعوا أن تشهد ثول طفرة عقارية، وذلك بعد الإعلان عن إطلاق مشروع جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية فيها قبل سنوات قليلة، وذلك بسبب افتتاح الجامعة الذي رعاه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز الأربعاء الماضي، عطفاً على أهمية الصرح التعليمي وما سيواكبه من تطور في المحافظة بشكل خاص وفي غرب السعودية بشكل عام.

وأرجع عقاريون سبب هذا الارتفاع إلى إقبال المستثمرين من خارج ثول، الراغبين في الاستفادة من الفرص المستقبلية المتاحة بعد إنشاء جامعة الملك عبدالله وبدء العمل فيها، إضافة إلى التوجه الرسمي لتخطيط ثول والمناطق المجاورة لها وتوفير جميع المرافق الخدمية الضرورية فيها، للارتقاء بها إلى مستوى يوازي المكانة المهمة للجامعة.

ولفتوا إلى أن الإقبال انحصر على تجميع قطع الأراضي المتوافرة، وهي محدودة العدد، ما زاد من حجم الطلب على المعروض.

ويؤكد خبراء عقاريون انه لا يوجد في ثول سوى مخطط واحد للمنح الحكومية يضم 1400 قطعة أرض، تداخلت 600 قطعة منها إلى جانب 130 قطعة أرض أخرى تتبع مخطط المتنزه مع الأراضي المخصصة لإنشاء جامعة الملك عبدالله، وتم تعويض ملاك تلك الأراضي المتداخلة بأخرى جديدة في مخطط جديد يجري تطويره حالياً». أما بالنسبة لإيجارات المساكن، فأكدوا أنها هي الأخرى ارتفعت بشكل كبير جداً، مشيرين إلى أن بعض المساكن لم تكن قيمة إيجارها تزيد على 800 ريال شهرياً قفزت إلى 5 آلاف ريال، بعد تأجيرها على الشركات العاملة في إنشاء مرافق الجامعة.

وعن احتمال تراجع قيمة إيجارات تلك المساكن بعد استكمال إنشاء مباني الجامعة ومرافقها كافة، نبهوا إلى أن ثول تقع بالقرب من موقع إنشاء مدينة الملك عبدالله الاقتصادية الذي لا يبعد عنها سوى كيلو مترات قليلة، خلافاً للإعلان عن إنشاء مدينة الملك عبدالله الرياضية داخل نطاق مركز ثول باتجاه الجنوب، على الطريق الرابط بينها وبين مدينة جدة، ما يعني استمرار نشاط شركات المقاولات العملاقة في العمل بثول في السنوات المقبلة، وحاجتها لإيواء العمال التابعين لها. وتوقعوا أن أي انخفاض في قيمة الإيجارات لن تتجاوز 30 في المائة فقط، خصوصاً أن المرافق السكنية الصالحة لإيواء تلك العمالة محدودة العدد.

فيما يؤكد بعض خبراء العقار أن تأثير إنشاء جامعة الملك عبدالله على أسعار العقارات في مركز ثول الفعلي سيكون محدوداًً، كون الجامعة تضم داخل أسوارها كامل الخدمات الضرورية لساكنيها، ما سيبقي حاجة منسوبيها للمرافق الواقعة خارج الأسوار محدودة جداً.

وشددوا على مشكلة عدم توافر الخدمات الأساسية الضرورية في كامل أراضي ثول حتى الآن، مع بعض الاستثناءات الناتجة عن اجتهادات محدودة جداً بإيجاد أراضي منح بديلة مطورة، تعويضاً عن أراضي المنح المنزوعة لتنفيذ مشروع الجامعة عليها.

وأوضحوا أن ما يتردد عن وجود مشروع لتخطيط المنطقة الممتدة من ثول شمالاً إلى ذهبان جنوباً لن يغير في الأسعار كثيراً، ما لم تشتمل المخططات الجديدة على جميع خدمات البنية التحتية من طرق مسفلتة وشبكات مياه وصرف صحي ومرافق تعليمية وصحية ومساجد، وغيرها من الخدمات الأساسية.

وبينوا أن قيمة الأراضي في مخططات خليج سلمان قفزت في وقت من الأوقات نتيجة المضاربات العقارية من 25 ألف ريال إلى نحو 300 ألف ريال، قبل أن تفقد لاحقاً ارتفاعها بنسبة تصل إلى 60 % كونها تفتقر إلى الخدمات الضرورية.

وتقع ثول على ساحل البحر الأحمر بطول 30 كيلو مترا، وتعد مرفأ كبيرا لقوارب الصيد ورحلات الغوص شمال جدة، حيث تتوسط المسافة بين جدة جنوبا ورابغ شمالا. ويعود سبب تسمية ثول بهذا الاسم، لإحاطة البحر بجهتيها الجنوبية والشرقية، مما جعل شكلها يبدو على هيئة الوادي. ولهذا السبب أيضاً، كانت تسمى بالدعيجية، وهي تصغير منسوب إلى الدعج، أي سواد العين. و يذكر الرواة أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- مرّ بها أثناء هجرته من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة.

وتم تطوير ثول لتواكب التطور الذي تشهده المنطقة من خلال استضافتها لجامعة الملك عبدالله ومدينة الملك عبدالله الاقتصادية, واشتملت خطة التطوير على 3 مراحل الاولى منها تكتمل قبل افتتاح الجامعة بإشراف شركة أرامكو السعودية والمرحلة الثانية تكتمل خلال 3 سنوات أيضا، أما المرحلة الثالثة فتكتمل خلال الفترة من 3- 5 سنوات بإشراف أمانة جدة ومساندة القطاع الخاص وكان المشروع قد كشف عن تطوير المنطقة من خلال الاهتمام بالطرق وإنشاء البنية التحتية ومعالجة العشوائيات وبناء مجمعات حضارية ومطاعم وحدائق عامة راقية تتماشى مع وجود المشاريع التنموية والتعليمية في هذه المنطقة بالإضافة إلى إنشاء مراكز للتدريب ومصانع، وغيره من المشاريع الأخرى.

وبدأ فريق عمل متخصص بأمانة جدة في الترتيبات اللازمة لدعوة الشركات المتخصصة لتنفيذ مشروع إحلال المنازل العشوائية بثول وغير اللائقة بمجاورة الجامعة بمساكن حديثة تربط بالبنية التحتية والعناصر التطويرية المتكاملة التي ستنفذها شركة أرامكو وستشغل الأحياء الحديثة مواقع الأحياء العشوائية القديمة والساحات المتداخلة معها فضلاً عن اعتماد مخطط منح خاص بأهالي ثول يتم حاليا تنظيم آلية لاستثمار سفلتة الشوارع والأرصفة والإنارة فيه ومن ثم توزيعه.

ويؤكد الكثير من سكان ثول أن أسعار العقارات في ثول كانت متواضعة، وقد قفزت بعد مشروع الجامعة والمدينة الاقتصادية لأكثر من 200 ألف ريال، وتعتبر ثول حلقة وصل بين مدينة جدة والمدينة الاقتصادية التي تقع شمال ثول.

وكشف مسؤولون في أمانة جدة عن إنشاء وحدات سكنية متكاملة الخدمات متوافقة مع النهضة العمرانية التي تشهدها ثول بعد إنشاء جامعة الملك عبد الله، ومن هذه المشاريع: إقامة كورنيش جديد، وسوق للصيادين، وحديقة مفتوحة، وممشى بطول 2000 متر وعرض 400 متر، وسيتم بناء متحف ومركز ثقافي في موقع السوق نظرا لتوفر مبان تاريخية. ومن أهم المشاريع التي ستقام بالقرب من «ثول»، «مدينة الملك عبد الله الرياضية» التي تم اختيار موقعها بدقة بهدف تسهيل الوصول إليها من مدن المنطقة كافة، كما تدرس الأمانة إنشاء منطقة صناعية شرقي الخط السريع بثول، تقدر مساحتها ب 9 ملايين متر مربع بهدف جذب الاستثمارات الصناعية، والتي ستمكن سكان المنطقة من إيجاد فرص عمل متعددة.