اتفق قادة دول مجموعة العشرين على تحويل المجموعة إلى المنبر الدولي الرئيس للتعاطي مع القضايا الاقتصادية العالمية، وبذلك تحل مجموعة العشرين عمليا محل مجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى التي كانت حتى الآن هي المنبر الرئيس لبحث القضايا الاقتصادية العالمية والمتحكمة في قرارات السياسة الاقتصادية الرئيسية للعالم. كما اتفق القادة على سلة من الإجراءات التي من شأنها إصلاح النظام المالي العالمي من أجل منع حصول نوع الاشتطاطات التي يعتقد الكثير من المراقبين أنها كانت المسؤولة عن الأزمة المالية الطاحنة التي عصفت بالاقتصاد العالمي على مدى السنتين الماضيتين وكادت أن تتسبب في كارثة اقتصادية لا يستطيع أحد التكهن بعواقبها على دول العالم كله.

وجاءت تلك الاتفاقات في أعقاب يومين من المباحثات التي أجراها قادة مجموعة العشرين في هذه المدينة الأميركية من أجل متابعة أعمال قمتيها السابقتين في أبريل ونوفمبر الماضيين وتقييم ما تحقق من تقدم في معالجة الأزمة الاقتصادية الحالية.

وكان صاحب السمو الملكي وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل قد ترأس وفد المملكة إلى القمة، حيث التقى الرئيس أوباما على هامشها. وشارك في عضوية الوفد السعودي كذلك كل من الدكتور إبراهيم العساف، وزير المالية والدكتور محمد الجاسر، محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي.

ويعتقد المراقبون أن الاتفاقات التي خرجت بها قمة بتسبرغ، لو نُفذت فعلا من قبل حكومات دول المجموعة، فإنها ستؤدي إلى فرض أنظمة أشد صرامة على المؤسسات المالية والأدوات المالية المعقدة وتعويضات كبار المسؤولين في القطاع المالي. وكذلك فإن من شأن هذه الاتفاقات أن تؤدي إلى تغييرات ذات شأن وأعمال مراقبة وتفحص خارجية لاقتصادات دول المجموعة، بما فيها الولايات المتحدة.

وقال الرئيس أوباما في بيان ألقاه بعد اختتام القمة أعمالها في وقت مبكر من فجر أمس (السبت) بتوقيت الرياض المحلي "إننا حققنا تعاونا عالميا ملموسا لم نره من قبل أبدا. إن نظامنا المالي سيكون مختلفا جدا وأكثر أمنا من ذلك النظام الذي أخفق بصورة درامية في العام الماضي."

وقد تعهد القادة على أن يعيدوا التفكير في سياسات بلدانهم الاقتصادية بصورة منسقة لتخفيض الاختلالات الهائلة بين الدول التي يعتمد اقتصادها بصورة كبيرة على الصادرات مثل الصين واليابان والبلدان المثقلة بالديون، مثل الولايات المتحدة التي تعتبر أكبر مستورد للبضائع الخارجية من العالم. وسيكون متوقعا من الولايات المتحدة، التي تعتبر على نطاق واسع البلد الأكثر تحملا للمسؤولية عن الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية، أن تزيد من معدلات الادخار فيها وأن تخفض العجز في ميزانها التجاري وأن تعالج العجز الهائل في ميزانيتها القومية. وكذلك فسيكون على بلدان مثل اليابان وألمانيا أن تخفض اعتمادهما على الصادرات عن طريق الترويج للمزيد من إنفاق المستهلكين فيها والاستثمار في الداخل.

وجاء ذلك في الوقت الذي أعلن فيه قادة مجموعة العشرين عن اتفاقهم على تحويل كل النقاشات الاقتصادية التي كانت حتى الآن محصورة في مجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى – الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، كندا، إيطاليا، اليابان وروسيا إلى مجموعة العشرين، التي تضم في عضويتها دولا مثل الصين والهند والبرازيل والمملكة العربية السعودية، وجنوب أفريقيا. وقد عنى ذلك فورا زيادة في أهمية وهيبة الدول النامية الأعضاء في مجموعة العشرين، كما وفتح مجال واسع أمامها لتبدأ بممارسة دور أكبر في سياسات الاقتصاد العالمي. ويأتي هذا القرار استجابة لانتقادات هذه الدول الأفقر من الدول الصناعية الثماني الكبرى، إنما التي تشهد اقتصاداتها نموا أسرع، بأن تأثيرها في القرار السياسي الاقتصادي العالمي متأخر عن دورها الفعلي الجديد في الاقتصاد العالمي. وقد أظهرت هذه الدول، مثل الصين وغيرها من الدول النامية السريعة النمو عن قدرتها على العمل مع الدول الصناعية الكبرى للتصدي للأزمة الاقتصادية الحالية بطرحها برامج تحفيز اقتصادي بمليارات الدولارات لتقوية اقتصادها، وبالتالي منع تفاقم الأزمة الحالية.

ويدعو أحد بنود الاتفاقات الرئيسية التي توصل إليها قادة مجموعة العشرين إلى زيادة مستويات الرساميل في البنوك والمؤسسات المالية الأخرى، وذلك من أجل تقليص الأعمال المنطوية على المخاطرة المالية عن طريق دفع هذه المؤسسات المالية إلى الاحتفاظ باحتياطيات مالية نقدية أكبر كسد أمام الخسائر المالية غير المتوقعة ولمنع حدوث تعطيل في أسواق الائتمان والإقراض.

ومن بين البنود الأخرى التي اتفق عليها قادة مجموعة العشرين منح حصة أكبر للدول النامية في قرارات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وكانت دول نامية عديدة، مثل الصين والهند، قد اشتكت منذ فترة طويلة بأن حصتها من الأصوات في المؤسستين الماليتين العالميتين لم تعد تعبر عن حجم اقتصاداتها المتسارعة النمو وإسهاماتها في الاقتصاد العالمي.