لم يتمكن -بقدر فرحته- المفكر الراحل عبد الكبير الخطيبي من رؤية أعماله مطبوعة بالعربية بعد ترجمتها، فقد ذهب، توفي ربيع هذا العام، وهو مطئمن إلى أنها ستعود آمنة إلى حاضنتها الأم، العربية. فأن تعيد "منشورات الجمل" اصدار بعض أعمال الكاتب المغربي عبد الكبير الخطيبي مثل "الاسم العربي الجريح"، "في الكتابة والتجربة"، "النقد المزدوج"، "المغرب العربي وقضايا الحداثة" شارك في ترجمتها محمد بنيس وادونيس وعبد السلام بنعبد العالي، فإن ذلك حدث ثقافي لافت.

أراد الخطيبي، وهو ذلك السوسيولوجي المغربي، وعلى رغم قلة أبحاثه السوسيولوجية المحضة، أن يثبت مكانة علم الاجتماع العربي في خريطة العلوم الإنسانية بصفة عامة، في ضوء استراتيجيا معينة، قصد منها بالتحديد زعزعة دعائم النظام المسيطر للمعرفة الحالية. إن هذه المعرفة تقوم في نظره على التخلي عن الدراسة النمطية في السوسيولوجيا، لأنها تخفي وراءها "ميتافيزيقا الكليات". غاية هذه الدعوة (تأسيس كتابة سوسيولوجية). لم يقدم الخطيبي أعمالا سوسيولوجية أكاديمية كثيرة، وربما كان الأمر يعود إلى توزع اهتماماته بين العلوم والفنون، لهذا انحسر مدى تدخله في هذا المجال، وبشكل ملحوظ، في المطالبة بمراجعة جذرية سواء للسوسيولوجيا أو لكل معرفة راهنة أو سائدة. هكذا ظل يدعو إلى عدم "نسيان اللحمة بين الفلسفة والعلوم (لأن هذا) يعني التمسك بالعمل في العماء". اختار مواضيعه بعناية، من خلال مطارحاته وتصوراته الإبيستمولوجية عن طبيعة الفلسفة والعلوم والفنون بالتحديد. اشتغل على الثقافة الشعبية، مازجا بين الإبداع والمعرفة العلمية، من دون أن يكون باحثا عن آثار يصنفها ويرتبها. واشتغل على التاريخ، من دون أن يكون مؤرخاً محترفاً يعتني بالحدث التاريخي في حد ذاته، بقدر ما اهتم بمفعولاته على صعيد الممارسة الاجتماعية أو الثقافية أو السياسية، وتالياً كسيرورة تاريخية معقدة وقابلة للتفجير والتفكيك. واشتغل في حقل الفلسفة من دون أن يدخله، تاركاً وراءه تاريخها الطويل من دون أن تستهويه فكرة النسق والبناء الفكري المتكامل، جاعلا من الفلسفة سلاحه النقدي العنيد في مناقشة قضايا شائكة خطيرة، ومن طبيعة متباينة.

يقول محمد برادة في مقدمة كتاب "في الكتابة والتجربة" إن نقد الرواية جزء من مغامرة الكتابة عند الخطيبي، وهو عندما نشر دراسته عن الرواية في بلدان المغرب العربي عام 1968، كانت معظم الدراسات النقدية المكتوبة باللغة العربية تتخذ من النقد وسيلة لإمرار بعض التصورات الايديولوجية المسبقة او لتكرار وصفات مدرسية عن المذاهب والاتجاهات الأدبية. وكان منهج الخطيبي "شاذا" في العالم العربي، والكتابة بالنسبة اليه، مغامرة تقتضي تفكيك الأشياء وممارسة النقد المزدوج للتراث ولمعرفة الآخرين، وتقتضي إلغاء الحدود المصطنعة بين الأجناس الأدبية وبين انواع الكتابة. وهذا يتبلور في روايته "سفر الدم" حيث يتحاذى الشعر والحكاية والمسرحة والسرد في فضاء وزمن مطلقين لا يحدّهما الا شساعة العشق، وجمال الموت، واغراء التطابق والمغايرة. يغوص من خلال لغته الرقراقة الهامسة، في ذلك المناخ الجميل ل "ألف ليلة وليلة"، والذي يلخصه الخطيبي في "احكِ حكاية وإلا قتلتك"، الا انه يحكي لا "خوفا من الموت، ولكن خوفا من أن تنتهي الليلة البيضاء"، لحظة الشطحة والتواصل والحب المستحيل. يقرأ جزءاً من موروث الرواية وجزءاً من التراث القصصي في العالم العربي.

كتابة الخطيبي النقدية بل منهجيته في النقد تجعلنا نتحمس لقراءة الكثير من النصوص الأدبية بطريقة مختلفة، اذ نفكر ما بين السطور من دون الاغراق في السطحية. يجعل الخطيبي للغة حضورها الأخاذ والفاتن من دون زخرفة، ويقدم النقد الفلسفي من دون غموض او تقعير كلامي او هذيان لفظي. لنقل انه يكتب نقداً يصل الى حد الشاعرية في بعض النصوص، فيجعلنا نشعر ب "لذة النص" كما يسميها رولان بارت.

الخطيبي هو أحد السوسيولوجيين الرائدين في علم الاجتماع، له نصوصه اللافتة والنادرة في يومنا هذا. ربما اذ ننطلق من بعض عباراته نعرف اطر تفكيره ومنهجيته المفتوحة على مختلف الثقافات الرولان بارتية (نسبة الى رولان بارت) في الكتابة، الى حد جعلت هذا الاخير يقول "إنني والخطيبي نهتم بأشياء واحدة، بالصور، الأدلة، الآثار، الحروف، العلامات. وفي الوقت نفسه يعلمني الخطيبي جديداً، يخلخل معرفتي، لأنه يغيّر هذه الأشكال، كما أراه يأخذني بعيدا عن ذاتي، الى أرضه هو، في حين أحس كأني في الطرف الأقصى من نفسي". ألّف الخطيبي كتاب "المغرب أفقاً للفكر" داعياً فيه إلى التخلي عن الاستسلام للنظرة السائدة عن أنفسنا وعن الآخرين، وخلخلة نظام المعرفة السائد من حيث أتى، ودوّن في كتابه الشهير "الاسم العربي الجريح": "ليس الجسد هو النص، ولكن الجسد هو الصورة الغامضة لنصوص يتيمة لا نهائية". وقال في أكثر من مناسبة: "نحن نسمح للدعارة بأن تكون في الشارع ولا نسمح لشخصيّة روائية بأن تعهر". وفي تمهيد كتابه "النقد المزدوج" يعتبر ان الهوية الأصلية التي تقوم على الأصول اللغوية والدينية والأبوية لا يمكن ان تحدد وحدها العالم العربي. فهذه الهوية تصدعت وتمزقت بفعل الصراعات والتناقضات الداخلية. ثم انها تجد نفسها مرغمة على التكيف مع مقتضيات الحياة العصرية والتفتح على العالم. و"العالم العربي اذا تعدد، وهو لا يشكل –ولا يمكن أن يشكل في حد ذاته- وحدة او كلا متماسكاً بإمكاننا أن نحصره داخل منظومة واحدة". لذا يدعو الخطيبي الى "نقد مزدوج": ينصب علينا كما ينصب على الغرب، ويأخذ طريقه بيننا وبينه، فيرمي الى تفكيك مفهوم الوحدة التي تثقل كاهلنا والكلية التي تجثم علينا، وهو يهدف الى تقويض اللاهوت والقضاء على الايديولوجية التي تقول بالأصل والوحدة المطلقة.

بطاقة الخطيبي

ولد عبد الكبير الخطيبي عام 1938 في مدينة الجديدة. تابع دراسته في السوربون حيث حصل على الدكتوراه في السوسيولوجيا عام 1966. عمل أستاذا مساعدا ثم مديرا لمعهد السوسيولوجيا في الرباط إلى أن تم إقفاله عام 1970. انضم إلى اتحاد كتاب المغرب في 1976. عمل رئيسا لتحرير "المجلة المغربية للاقتصاد والاجتماع". تتميز مجالات إنتاجه بالتعدد والتنوع بين الكتابة الخلاّقة (الشعر، الرواية، المسرح) والدراسة الأدبية. له مباحثه الكثيرة المكتوبة بالفرنسية، كما ترجمت مجموعة من أعماله إلى اللغة العربية، مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، منها: "الرواية المغربية"، ترجمة محمد برادة، "في الكتابة والتجربة"، ترجمة محمد برادة، بيروت، دار العودة، 1980، "ديوان الخط العربي" عبد الكبير الخطيبي ومحمد السجلماسي، ترجمة محمد برادة، الدار البيضاء، 1981. "النبي المقنع"، ترجمة محمد الكغاط، الكويت، وزارة الإعلام، 1993. "صيف في ستوكهولم" ترجمة فريد الزاهي، البيضاء، دار توبقال 1992. وتوفي ربيع هذا العام 2009.