قالت أم الضحاك المحاربية :

أرى الحب لا يفنى ولم يفنه الألى

أحبوا وقد كانوا على سالف الدهر

وكلهم قد خاله في فؤاده

بأجمعه يحكون ذلك في الشعر

وما الحبُّ إلّا سمعُ أذنٍ ونظرةٌ

وَجنّة قلبٍ عَن حديثٍ وعن ذكرِ

وَلَو كانَ شيء غيره فني الهوى

وَأَبلاه مَن يهوى ولو كان من صخرِ

فلا شك أن الحب وجد ليبقى في القلوب، ولاشك أن العشاق هم من أصحاب القلوب الرقيقة التي يفتتها الفراق وتجرحها الأحداق ،قلوب تخفق بالوصل واللقاء وتذوب بالصدود والجفاء . والشاعر العاشق يعبر عن معاناته في عالم الهوى ويصور حالة قلبه:

الجريح بنظرات ليلى...

أو المحروق برحيل هريرة...

أوالمنكسر بجمال بثينة...

أو المدنف بعناد عزة ...

أو المصدوم ببخل سلمى...

كما قال سلم الخاسر:

قَد عَزَّني الداءُ فَما لي دَواء

مِمّا أَلاقي مِن حَسانِ النِساء

قَلبٌ صَحيحٌ كُنتُ أَسطو بِهِ

أَصبَحَ مِن سَلمى بِداءٍ عَياءُ

أَنفاسُها مِسكٌ وَفي طَرفِها

سِحرٌ وَما لي غَيرَها مِن دَواءِ

أو كما قال عبدالله الفيصل :

قلبي اللي كل ما قلت ارجهني

قام يومي مثل حذاف المكينة

كله بسبة ثلاث ناطحني

مع مغيب الشمس في درب المدينة

فأسباب العشق وأحوال القلوب وأخبار العشاق تمتد على المدى التاريخي للشعر العربي وليس حديثنا هنا عن هذا الموضوع بالذات ففي كتب الأدب ما يغني ، ولكني سأشير إلى زاوية معينة في الشعر الشعبي لها ارتباط وثيق بموضوع العشق والشعر فقد رأيت في تصوير الشعراء الشعبيين لأحوال قلوبهم التي أضناها الغرام إبداعاً محلّقاً ووصفاً دقيقاً يثير الإعجاب خاصة إذا علمنا أن جودة التشبيه من أركان الشعر التي يفاضل فيها بين الشعراء من ذلك قول الشاعر جري الجنوبي:

يا راعي البستان والنخل و القرا

انشدك ما مرت عليك ظعون

ما مرّ عليكم من شريق ظعاين

ظعاين بدوٍ مشيهن بهون

ظعاينٍ قلبي بينهن معلّق

بخيط ولا دون انقطاعه دون

ولعل القارئ يتأمل البيت الأخير ليرى كيف استطاع الشاعر تصوير معاناته مع الحب بصورة قلبه المعلق بخيط دقيق معرض للانقطاع في أي لحظة بل هو أقرب للسقوط منه للتعليق ،انظر لهذا الوصف الدقيق رغم بساطته الشديدة التي هي من الواقع المحسوس ،إنها صورة ربما يظنها كل شاعر أنها متناول يده ولكنها أبعد ما تكون عنه .

ومن تصوير الشعراء الشعبيين لأحوالهم في عالم الصبابة قول الشاعرة العاتي بنت شليويح :

والله أنه خارفٍ قلبي عشيري

مثل ما تخرف عذوق المقفزية

انظر إلى البساطة إنها تشبه قلبها بما تشاهده حولها فتصوره بنخلة شامخة، ولكن ثمار هذه النخلة تجنى بهدوء شيئاً فشيئاً حتى تنتهي فتصبح خاوية فارغة وهكذا قلوب العاشقين التي يقضي عليها العشق رويداً رويداً حتى تتلاشى كما قال المجماج :

حبّه يخج القلب ما يوجع أوجاع

لاشك قلبي مودعه بيت نملة

هذا البيت البليغ الذي يعتبر من أبلغ الأبيات في الشعر الشعبي يصور بيته تصويراً دقيقاً من واقع البيئة التي يعيشها (بيت نملة) أنه تصوير من السهل الممتنع تراه بسيطاً ولكنه عميق إلى درجة كبيرة خاصة إذا علمنا أنه يمكن أن تصل أعماق مملكة النمل في بعض الأنواع إلى (5 أمتار) واتساعها 7 أمتار وتُنشئ النمل فيها مئات الغرف والأنفاق.ويُحفر وينقل قرابة (أربعين طنا) من التراب إلى الخارج كما تذكر بعض المصادر ، فلنتصور حالة هذا القلب المسكين!!

إن الصور الثلاث السابقة رغم ارتباطها بالواقع المحسوس (خيط ،نخلة،نملة)، إلا أنها تدل على خيال واسع وتشخيص دقيق وهي كما قال حسان رضي الله عنها :

يَراها الَّذي لا يَنطِقُ الشِعرَ عِندَهُ

وَيَعجِزُ عَن أَمثالِها أَن يَقولَها

ولكن حين نقارن الصور السابقة بقول الدجيما :

وجرّ قلبي جر لدن الغصونِ

غصون سدرٍ جرّها السيل جرّا

أو قول عبدالله بن عون:

حبّه ينهّش ثومة القلب تنهيش

نهش الحنيش لعرش رجلٍ نهشها

يتبين لنا المدى الذي وصلت إليه بلاغة الشاعر الشعبي بين الصورة الهادئة الصامتة المعبرة بدقة كما عند جري والعاتي والمجماج والصورة الصاخبة العنيفة المعبرة بألم كما عند الدجيما وابن عون رغم تميزها جميعاً بالبساطة والواقعية وبين هذه وتلك صور شتى لقلوب العشاق تؤكد على تميز الشعراء الشعبيين وإبداعهم .