مثلها ظللن يرددن وهن يستحضرن حكيها الشهّي .. إنهن يحكين حتى لا يمتن .. ومثل شهرزاد كنّ يردّدن أنهن يكتبن لينقذن أنفسهن من الوأد الجديد الممارس على يد شهريار زمن القرن الواحد والعشرين .. زمن صارت الكتابة فيه بالنسبة للمرأة انتحارا بامتياز .

طيلة يومين ( 6 و7 مايو الجاري ) مارست شهرزاد سطوة حكيها المعهود لكن دون شهريار .. لم تكن شهرزاد تحكي وجعها داخل قصر مترامي الأطراف متكئة على نمارق من حرير واستبرق كانت حروفها تعانق أصوات الكمان الجهير والقيثارة الناعسة والبيانو الساحر المنبعثة من قاعات المعهد العالي للموسيقى المقابل لأجمل قصور رياس البحر "حصن 23 " المطل بشموخ على البحر المتوسط عند أسفل القصبة العتيقة.

كن يشاركن في جلسات الملتقى العربي الأول حول الكتابة النسوية وقضايا المرأة الذي حضرته عن المملكة العربية السعودية الإعلامية والروائية سمر المقرن صاحبة " نساء المنكر " .. ملتقى دعت إليه جمعية فتية تقاوم الفناء .. ولدت من رحم الأزمة .. أزمة العشرية السوداء بالجزائر هي جمعية " المرأة في اتصال " التي " أمّنت " حضور شهرزاد ولم يكن في مقدورها وهي تكابد شحّ المال وضعف الحال تأمين حد أدنى من " الرفاه " الذي تحبه شهرزاد كعادتها مثلما كانت عليه زمن شهريار لتستغرق هي في الحكي ويواصل هو الاستمتاع بالحكي المفتوح على كل القراءات . لم توفر الجمعية وصاحبتها نفيسة لحرش لشهرزاداتها الفنادق الفاخرة والقصور الفاهرة والمطاعم الفخمة ، وفّرت لهن فندقا متواضعا آمنا بمنطقة بوشاوي بالضاحية الغربية للعاصمة ومطعما نظيفا ونقلا جماعيا مريحا دون شهريار .. فجاء حكيهن موازيا لقوة الجمعية في مقاومة الفناء .. حكيا كبيرا لكن موجعا التحف بأسئلة الراهن المطروحة على فعل الكتابة النسوية في الوطن العربي.

لم تتحدث موزة المالكي وسمر المقرن وفضيلة الفاروق ونعمة خالد ورزان مغربي ورنا حسيني وأمل قرامي وهن من قطر والمملكة العربية السعودية والجزائر وفلسطين وليبيا وتونس عن ما كِدنا نَمّل حكيه المتكرر .. ونعني ثنائية الجنس والدين .. ربما لان هذه الأخيرة أي ثنائية الجنس والدين لم تعد البعبع الذي كان يخيف المرأة الكاتبة او القاصة أو الروائية وهي تهّم لتمسك بالورقة لتمارس فعل الحكي ، فعل القول دون الاكتراث لردود فعل ما بعد القول .. لقد قاربن نوعا آخر من النصوص تحكي عن نوع آخر من القضايا .. مثل الاحتلال ( قضايا المرأة الفلسطينية مع الاحتلال ) وعالم الطرق السريعة للمعلومة ( الكاتبة العربية وعالم المعلومات ) والحكم والسياسة ( قضايا المرأة والمطلبية الديمقراطية ) وكينونة المرأة اجتماعيا ونفسيا ( الكتابة كعامل ترقية ) و ( قضايا المرأة النفسية في المجتمع ) .

ولم يكن المسكوت عنه .. هذا الموضوع الكبير .. موضوع التابوهات أو المحظورات أو المناطق المعتمة .. الذي ظل وما يزال في كثير من الأحيان سيد جلسات الحكي النسائي .. لم يكن السيد في لقاء الجزائر .. كان بالنسبة لمن شاركن في الملتقى .. الموضوع الذي استنفد حقه وزيادة من التناول النقدي والإعلامي بل الموضوع الذي صار يزاحم مواضيع أخرى أحق منه بالاهتمام مثل التنشئة الاجتماعية التي هي في حاجة إلى مراجعات جذرية لكسر أنياب ثقافة التأثيم وثقافة العار العالقة بتلابيب المرأة الجسد . و في هذا الصدد جاء ت ورقة الدكتورة مبطوش نجاعي فاطمة الزهراء من جامعة " تيزي وزو " شرق العاصمة أكثر من مهمة بعدما تطرقت لأول مرة لموضوع دقيق تناول " العنف المعنوي والتأديب الجسدي في الأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية " و كان الموضوع مقتطعا من رسالة دكتوراه تمت مناقشتها مؤخرا بالجزائر تناولت " المحظور اللغوي عند النساء ".

ولعل الاستثناء الوحيد الذي أعاد موضوع المسكوت عنه إلى قلب النقاش في ملتقى الجزائر هي الورقات الخليجية التي تناولت صاحبتها الروايات التي كتبتها نساء تخفى جلهن وراء أسماء مستعارة لعدم القدرة على المواجهة والاحتماء من ردود فعل " المتذمرين الذين ينظرون لهذه النصوص على أنها موغلة في الجنس أو متطرفة في التحامل على الدين أو تظهر عدائية شديدة تجاه الذكورة أو الفحولة . و استقطبت ورقة الإعلامية والكاتبة السعودية سمر المقرن حول " حقوق المرأة في الرواية السعودية النسوية اهتمام " الإعلام المحلي الذي التف كثيرا حول صاحبة " كتاب المنكر " محاولا فهم الفورة الروائية النسوية في السعودية والهزّات التي أحدثتها بعض النصوص التي تقدم صورة جديدة للمرأة السعودية الثائرة على التقاليد .. بعيدة عن الصورة الطهرانية ، صورة مختلفة تماما عن المرأة في أول رواية سعودية ( التوأمان ) لعبد القدوس الأنصاري العام 1930 وتلك التي تناولتها فيما بعد نصوص رجاء العالم وعبده خال وغازي القصيبي أو تركي الحمد أو بدر إبراهيم في روايته " حياة مؤجلة " ( 2008 ) أو عائشة عبد العزيز الحشر في روايتها " سقر " ( 2008) .