المرأة هي نصف المجتمع - أي مجتمع على هذه الأرض. ولذلك فإن تغيب مشاركة هذا النصف في الحياة الاقتصادية يضعف العائد الذي ممكن أن يجنيه أي بلد. فالصين، قبل أن تتطور، كانت لديها تقاليد بالية يتم على أساسها استبعاد المرأة من المشاركة في الحياة الاقتصادية. فبموجب تلك التقاليد كان قدمي الطفلة تربط بعد الولادة بأساور من المعدن. فتكبر الطفلة وتصبح امرأة ولكن قدماها لا تكبر ولا تنمو معها. ولو ناقشت الصينيين قبل 100 عام ونيف عن الأسباب التي دعتهم إلى جعل المرأة رزية غير قادرة على الحركة بمفردها لرد عليك بكلام تافه لا يقل سخفاً عما ستسمعه من فارس أوروبي مقدام، من القرون الوسطى، عن حزام العفة.

ولكن الصين قد تغيرت، أو بالأصح تطورت، عندما قررت أن تنطلق وتعتق نفسها من شوائب الماضي. فهذه الدولة التي تتربع الآن على قائمة ثالث أكبر اقتصاد في العالم ما كان لها أن تصل إلى ما وصلت إليه لو بقيت المرأة الصينية مشلولة مربوطة الأرجل بالأساور حتى وإن كانت من ذهب. فلقد ودع الصينيون ذلك الزمن الذي كانوا ينظرون فيه إلى أن جمال المرأة لا يكتمل إذا لم يكن لديها قدمان صغيرتان كالطفلة. أو بمعنى أخر إذا لم تكن كسيحة.

وفي جارة الصين الهند تحتل المرأة منذ الاستقلال مكانة مرموقة. والكل يعرف المكانة المميزة التي تحتلها إنديرا غاندي وسونيا غاندي في داخل الهند وخارجها. وقد لا يكون من المبالغة التأكيد على أن المكانة المرموقة التي وصلت إليها الهند اليوم ما كان لها أن تتحقق لولا المشاركة الواسعة للمرأة الهندية في كافة أوجه الحياة الاقتصادية والعلمية والاجتماعية . فهذا البلد العريق ذو العادات الراسخة قد نفض عن نفسه غبار التقاليد البالية ليندفع كالنمر مسايراً العصر بوثبات متسارعة يحسده عليها الكثير من البلدان النامية.

والأوربيون قبل الصينيين والهنود تخلصوا من عقدهم بشأن المرأة. بل أنهم قد أصبحوا يتطرفون في هذا الشأن. واليوم لا يمكن الحديث عن النهضة الاقتصادية الأوروبية دون الإشارة لدور المرأة. فحتى وزارات الدفاع التي كانت في السابق حصراً على الرجال وحدهم أصبحت في بعض البلدان الأوربية تسند للنساء.

ولذلك يبدو لي أن تطورنا الاقتصادي اللاحق، مثلنا مثل غيرنا من البلدان التي سبقتنا في هذا المضمار، مرتبط بمشاركة نصف المجتمع في الحياة الاقتصادية. فالإحصائيات الموجودة أمامي، وأتمنى أن تكون غير دقيقة أو مبالغ فيها، تشير إلى أن عدد السجلات التجارية التي تعود ملكيتها لسيدات الأعمال لا تتعدى 30 ألف سجل تجاري فقط. وأن عدد الشركات والمؤسسات التجارية النسائية لا تتعدى 1500 منشأة. مما يعنى أن مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية لا يتعدى 10%.

وأنا لا يهمني هنا انطباعات الزائرين الأجانب للمملكة لأول مرة. واستغرابهم، وهم في السيارات من المطار وإلى داخل مدننا، من عدم رؤيتهم لغير الرجال يحومون في الشوارع. فالتجوال في الشوارع أمر ليس له شأن اقتصادي. فالأهم هي الخسائر المالية التي تلحق بنا جراء ضعف مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية. فهذه المساهمة الضعيفة تؤدي، حسب بعض التقديرات، إلى إعاقة تدوير أرصدة نسائية ضخمة تصل إلى 100 مليار ريال.

بالتأكيد أن بإمكاننا، كبلد نفطي، تحمل كل تلك الخسائر الهائلة والتي تصل إلى ميزانيات العديد من البلدان المجاورة لنا. بيد أن النفط سلعة غير متجددة. فمهما بلغ حجم احيتاطياتنا منه فإنه سينضب في يوم من الأيام. ولذا فليس مصادفة أن كافة خططنا الإنمائية تركز على أهمية تعدد مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط. من هنا فإن التقييد المصطنع لقوى العرض ولحركة دوران رؤوس الأموال سواء كانت نسائية أم رجالية إنما يسير في الاتجاه المعاكس لخططنا الاقتصادية وإلى الحيلولة أو على الأقل تأخير عملية انتقالنا من مجتمع ريعي إلى مجتمع يقوم اقتصاده على التنافسية وتعدد المزايا النسبية.