تسلم أحدهم عملاً جديداً كان يشغله شخص آخر ، وكان هذا العمل مهماً ، وبه خلق كثير من الموظفين مختلفي القدرات ، والخبرات ، مختلفي الأمزجة ، والأهواء.. وماكان راضياً عن العمل الجديد ، لأنه يعرف متاعبه الجمة ، ولأنه شديد الحرص ، شديد الحساسية ، في مسألة الانضباط ، والإنفاق المالي ، فقد كان نزيهاً إلى درجة التطرف.. كان شديد الحذر ، يحب العمل والإتقان ، ويكره النفاق والتزلف ، كما أنه يمقت الوشاية ، والنميمة ، ولأن التركة كانت ثقيلة ، ولأن المكان كان فوضى تسوده النفعية ، والمصلحة ، والمحسوبية ، ولأن بعضاً من الموظفين قد درجوا ومرجوا على النفاق ، والمداهنة ، وبالذات مديري الإدارات ، ورؤساء الأقسام ، فقد أهمه الأمر وأخذ يُعمل التفكير ، والتأمل في التعامل مع الوضع الجديد ، ومحاولة معرفة طريقة يكتشف بها تلك الفئة ، التي تربت على المداهنة ، والانتفاع. فرسم في ذهنه خطة يحاول فيها فهم نفسية العاملين ، وطريقة تفاعلهم.

وفي أول لقاء تحدث إليهم عن خططه ، ومشروعه العملي ، وطريقته في الأداء ، والتنفيذ ، والمتابعة.

ولماّ أنهى حديثه ، تبسط في الحديث معهم ، وأظهر وداً، وإسقاطاً للكلفة ، وفي أثناء حديثه الودي وبطريقة أظهر فيها كثيرا من التلقائية والسذاجة المخادعة ضرب بيده على طاولة المكتب ، قائلاً : يا جماعة هذه الطاولة تقلقني قلقاً شديداً !! فشدوا أنظارهم نحوه باستغراب..، وتابع : إني أراها كبيرة أكثر مما ينبغي ، وأنا رجل عملي ، وأكره منظر الطاولة الفخمة الضخمة ،! وأكره منظر الأوراق متراكمة عليها.. يقولون في علم الإدارة : كلما كانت الطاولة نظيفة فارغة من الأوراق ، فذلك دليل على الإنجاز ، وحسن الأداء.. ثم تابع متسائلاً : ما رأيكم لو استبدلتها بواحدة صغيرة أكثر عملية ، وفعالية من هذه ؟ فأمنوا على رأيه ، وقالوا: صدقت.. بل إن بعضهم زاد بقوله : إنه يستغرب من المدير السابق، كيف له أن يستخدم مثل هذه الطاولة ، الفخمة ، الضخمة ، العريضة ، والتي تسد نصف الغرفة.؟! قال ذلك في شيء من السخرية ، والتهكم.. غير أن المدير اطرق قليلاً ، ودخل في شيء من الوجوم ، والصمت. ثم أظهر لهم أنه تراجع عن فكرة الطاولة الصغيرة جداً. وقال : لعله من المستحسن أن أستبدلها بطاولة وسط ، ليست بالكبيرة جداً فتسد فراغ الغرفة ، وليست بالضئيلة ، التي لا تليق بمسؤول مثلي..! فاستحسن الجميع رأيه في الطاولة الوسط وقالوا: هذا هو والله عين الصواب ، فلا هي بالكبيرة الجسيمة الفخمة ، ولا بالصغيرة المحتقرة ، وخير الأمور الوسط. ثم وقف أحدهم قائلاً : ما دام أنكم أطال الله عمركم أجمعتم أمركم على اختيار طاولة متوسطة لائقة ، وهو رأي سديد ، ورشيد ، فإني أرى والرأي الأتم لسعادتكم ، أن يكون هناك حسن في إختيار الطاولة . فكما تعلمون أدامكم الله أن الطاولات مختلفة الجودة ، مختلفة الصناعة ، مختلفة "الماركات" فهناك طاولات رخيصة الثمن ، وهذه بالطبع غير لائقة ، وغير مريحة ، لذا فإنني أقترح تأمين طاولة من النوع الراقي ، فلا بد أن تكون من الخشب الممتاز كخشب الزان ، أو خشب الساج ، ومن اللائق أيضاً أن تكون محلاة بفصوص العاج ، فالطاولة الراقية هي جزء من شخصية المكان ، وصاحبه ، لذا فإنني أصر على أن يتم استيراد طاولة خاصة تليق بسعادتكم.. وأعتقد أن زملائي يشاطروني هذا الرأي بل ويصرون عليه.

هز المدير رأسه ، والقى نظرة على الجميع ، فإذا بهم يظهرون استحساناً وتأييداً لما قال زميلهم.. ما عدا شخصاً واحداً، فإنه لم يبد رأياً في الأمر كله ، ولم يعلق على شيء مما كان يدور ، وكأنه في معزل عن الجميع ، وكان المدير يراقبه بطرف خفي طيلة الوقت. وكان يقول في نفسه لعله هو!! ثم فأجأه بسؤال عن سبب صمته. وقال: يا فلان أراك صامتاً ، ولم تبد رأياً ، ونريد أن نسمع منك.. فوقف الرجل في هدوء وثقة، وقال: يا سعادة المدير أراكم منذ اليوم تتحدثون عن موضوع تافه ، لايستحق كل هذا الأخذ، والعطاء، ولا يستحق كل هذه العناية، والاهتمام.. يا سعادة المدير الطاولة ليست هي التي تعمل صغرت أم كبرت.. وإنما انت من سيعمل ، فاختر ما تراه معيناً على الحركة والإنجاز ، ولا تأخذنك أمور الشكل ، والمظهر، وإني أرى أنه ما كان لائقاً بك أن تأخذ رأياً من أحد في هذا الأمر..

أظهر المدير افتعال الدهشة والاستنكار. ولكنه في الواقع قد اغتبط بالرجل ، وبرده في داخله.. وقال : هذا هو!!

وفي يوم غدٍ فوجئ الجميع بتعيين ذلك الرجل مساعداً للمدير.. فقد اتخذ من صدقه ، وشجاعته ، وأمانته في القول ، اتخذ منه مساعداً وعضداً..