قبل فترة طويلة سمعت عن حادثة وفاة لم تمنعني من الضحك ..

فقد زارنا رجل من البادية فسأله والدي : "كيف حال فلان؟" فقال: "مات بحادث سيارة؟" فعاد وسأله: "وكيف حال ولده فلان؟" قال: "مات أيضا بحادث سيارة" فعاد والدي وسأله " وهل كانا في سيارة واحدة" فقال الرجل : "لا ، اصطدما ببعضهما البعض في صحراء النفود" وهنا تدخلت أنا وسألته مستغربا : "ولكنها صحراء واسعة ، فكيف لم يشاهدا بعضهما البعض" فقال "صعد كل منهما من أحد جانبي الطعس واصطدما في الأعلى" ..

وحينها ضحكت من هذه المصادفة العجيبة التي جمعت بين والد وولده يسيران في خط ضيق حتى يلتقيا على قمة "طعس" في صحراء مترامية الأطراف !!

غير أن احتمالا كهذا لا يقارن (من حيث ندرة حدوثه) بما وقع في العاشر من شهر فبراير الماضي على ارتفاع 800 كيلومتر فوق سطح الأرض .. ففي حادثة غير مسبوقة اصطدم قمر اصطناعي روسي بقمر اصطناعي أمريكي أمام دهشة الطرفين .. القمر الأمريكي تابع لشركة "إيريديوم" للاتصالات أما القمر الروسي فكان متوقفا عن العمل منذ فترة طويلة ويبدو أنه دخل دون علم الطرفين على مدار القمر الأمريكي - ..

والمشكلة أن هذا الاصطدام الذي يعد أكثر ندرة من اصطدام ونيتين في صحراء النفود نجم عنه ركام معدني يبلغ مجموع وزنه 455 كيلوغراماً قد يدخلان بدورهما على خطوط سير تابعة لأقمار أخرى !!

وهذا الحادث يذكرنا بحقيقة أن بقايا الصواريخ والمركبات والأقمار الفضائية التي تدور حول الارض تبقى "تدور حول الأرض" الى مالا نهاية ..

ويمكن القول إن المشكلة بدأت عام 1957 حين اطلق الروس اول قمر صناعى في العالم (يدعى سبوتنيك1) تلته آلاف الأقمار الصناعية التي تحولت اليوم الى مجرد نفايات و "حديد خردة" تلف كرتنا الأرضية . فمنذ ذلك الحين أطلقت دول العالم قرابة العشرين ألف قمر صناعى انتهت صلاحية نصفها ومع هذا مازالت تدور حول الارض بسرعه لاتقل عن 600 كلم فى الدقيقة . ومعظم هذه الأقمار ستبقى في مداراتها الى الابد وتتراكم عبر السنين وتغلف جو الارض بمعادن براقة قد نتمكن قريبا من رؤية انعكاساتها بالعين المجردة !

وهذه (النفايات الفضائية) تشكل خطورة على اى مركبة تنطلق من الارض او تعود اليها .. كما ان مجرد وجودها حول الارض كفيل بتشويش الاتصالات بسبب اعتراضها وعكسها لموجات الارسال .. أضف لهذا أن أي مدار يمتلئ بقطعة قديمه يصبح محجوزا على طول الخط رغم احتمال خروجه عن المسار دون علم أحد (كما حدث مع القمر الروسي في الحادث الأخير) !!

... وفي الحقيقة ؛ من يدري ..

بعد قرن أو قرنين من الآن قد يملك كوكب الأرض حلقة من النفايات المعدنية لا تختلف عن حلقة الصخور الموجودة حاليا حول زحل !