كان لقيام الدولة السعودية الأولى بقيادة الإمام محمد بن سعود وتعاضده مع الشيخ محمد بن عبدالوهاب في بلدة الدرعية عام 1157ه اثر بارز في بعث النشاط العلمي في هذه الجهة وغيرها من المناطق في الجزيرة العربية.

واحتفظ قادة ومصلحو الدولة السعودية الأولى بكم كبير من الخزائن والمخطوطات الخاصة والمؤلفات المتعددة.

ولعل من ابرز ما تم جمعه بعد سقوط الدولة السعودية الأولى ما حمله الغازي إبراهيم باشا وحسين بك من هذه الخزائن المتعددة وعلى فترات متفرقة.

حيث تشير الوثائق المصرية أن ما تم جمعه خلال عام السقوط: 1233ه قرابة الست مئة مخطوط بينما في الفترة الثانية فترة الاضطراب التي قادها حسين بك بالحصول على أكثر من ثلاث مئة مخطوط. «أي قريبا من الألف مخطوطة».

وكل تلكم المخطوطات وضعت في المكتبة المحمودية في المدينة النبوية بعد مشاورات وردود متعددة. إلى أن وجه أخيرا محمد علي شيخ الحرم النبوي في تاريخ: 18/شوال/1237ه والى محافظ المدينة بأن توضع الكتب والمصاحف في كتب خانة الحرم للانتفاع بها.

(للمزيد انظر الوثائق المحفوظة في دار الوثائق المصرية: معية تركية، وثيقة برقم «297» دفتر «10» بتاريخ: 18/شوال/1273هو ترجمة الوثيقة في ملف «2» محافظ الحجاز ص «97.96، ومعية تركية وثيقة برقم «34» ورقم «35» دفتر «13» في: 9/5/1238ه، الأوامر والمكاتبات الصادرة من عزيز مصر محمد علي، دار الكتب والوثائق المصرية، القاهرة، 1426ه، 1/64، وغيرهما الكثير من الوثائق المصرية المترجمة حيث قمت بتصويرها ما بين عام 1419، وكذلك عام 1427ه. ولعل أول من أشار إلى نقل وأخذ هذه المخطوطات مباشرة بعد سقوط الدرعية عاصمة الدولة السعودية من المؤرخين الغربيين هو سادلير في كتابه رحلة عبر الجزيرة العربية ص150 «طبعة 1982م» حيث قال ما نصه (وعندما تمكن إبراهيم من وضع يده على الدرعية دخل القلعة ودخل بيت عبدالله «بن سعود» مع بعض خدمه الموثوقين ولم يسمح لأي فرد من عائلته أن يحمل شيئاً يمكن نقله إذ كان يتوقع بلا شك أن يجد بعض النفائس الأمر الذي اعتقد أنه خاب أمله به، ويعتقد أن مجموعة هائلة من الكتب كُدست وأرسلت إلى المدينة المنورة ابتهاجاً بالنصر ليفحصها المختصون في العلوم الدينية قبل السماح بقراءتها».

وحسن ما فعلت بعض جهاتنا العلمية حيث قامت بطبع قائمة بجميع الكتب والمخطوطات التي أخذت من الدولة السعودية في الدرعية والرياض وغيرهما من المناطق. انظر تلكم القائمة كاملة في كتاب «مكتبة الإمام عبدالله بن سعود الصادر عن مكتبة الملك عبدالعزيز العامة عام: 1427ه. والذي كشف قائمتها الدكتور سهيل صابان وفقه الله كما نشرت مجلة الدارة بقلم الأستاذ حمد العنقري بحثاً بعنوان مآل المخطوطات النجدية بعد سقوط الدرعية في عام: 1427ه. للسنة «32» العدد: 2). وكلا البحثين تم التطرق إليهما في هذا الصفحة قبل أكثر من سنة ونصف السنة).

وقد دون المؤرخ النجدي ابن بشر «1290ه» حادثة واحدة على قيام المعتدي القاضي حسين الزللي بأخذ وحرق مكتبة الشيخ عبدالعزيز بن سليمان بن عبدالوهاب ووصفها بقوله «وأخذ منها خزانة كتب عظيمة» ثم يشير بالقول ان الزللي اخذ منها أحمالاً وأشعلوا النار في باقيها. عنوان المجد، طبعة الدارة: 1/456.455).

  • قلت ولدى بفضله تعالى أكثر من خمسة مخطوطات أصلية من مكتبة هذا العَالم وجمعت له أكثر من سبع عشر مخطوطة مصورة أخرى متفرقة داخلياً وخارجياً. لضمها في عمل اعد له منذ سنوات يسره الله عن علماء العارض ومكتباتها.-

وقال الشيخ علي بن حسين آل الشيخ حينما جلي إلى عمان بعد سقوط الدرعية مشيراً إلى ما حرق من بعض المخطوطات بقوله:

خليلي عوجا عن طريق العواذلي

بمهجور ليلى فابكيا في المنازل

إلى قوله:

وكم حرقو من كتب علم وحكمة

وفقه وتوحيد في شرح مسائل

إلى قوله مشيراً إلى ما فعله الغزاة:

فقد سامنا الأعداء سوما برحا

بقتل واسر متقل في الحبائل

والقصيدة تبلغ أكثر من ثمانيين بيتاً.

كما يمكن الحديث عن مكتبة الشيخ محمد بن عبدالوهاب وابنائه حيث يشير صاحب لمع الشهاب وهو الريكي أن مكتبة الشيخ محمد تبلغ مجموعاتها ما بين مئتي كتاب إلى ست مئة كتاب. «لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبدالوهاب، ص177». وقد كانت العادة جارية منذ أيام الشيخ محمد بن عبدالوهاب «ت 1206ه» وحتى عصر الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ «ت 1389ه» الإشراف على الكتب والمؤلفات فإذا توفى عالم وله مؤلفات أو مكتبة فإنها تنقل إلى الدرعية أو إلى الرياض للاطلاع عليها وفحصها كما يشير لذلك الزركلي أو العلامة الجاسر رحمهما الله تعالى وكما سمعت من الأخير كذلك والشيخ إبراهيم بن عثمان -رحمه الله - مراراً.

وقد وقفت على أجزاء من قسمة بعض التركات الخاصة بأبناء الشيخ محمد بن عبدالوهاب وبناته رحمه الله تعالى بعد وفاته ومثبت فيها أسماء هذه المخطوطات. مع حصولي على بعض رسائله ومؤلفاته الخاصة بيده. لعنا نستعرضها في حلقة قادمة بحوله تعالى.

كما وقفت على مراسلات علمية من علماء العارض تبين قوائم كبيرة جداً حول مئات هذه المخطوطات وأسماء تلك المكتبات التي كانت فيما مضى ثم اندثرت اليوم!!

وعوداً على بدء فإن هذه المكتبة المحمودية في المدينة النبوية وما حملته من تملكات ومنسوخات ومؤلفات نجدية لتقدم لنا اضاءات مهمة عن جهود علمائنا قبل وبعد قيام الدولة السعودية الأولى في تمسكهم بالشريعة الإسلامية منذ دخول الرسالة المحمدية إلى هذه البقعة. والى ذلك قمت بالحصول على قائمتها المحفوظة منذ عام 1423ه وفهارسها خصوصاً الكتب الفقهية. بخلاف مكتبة الحرم النبوي والتي وجدت فيها مجوعة كبيرة من النساخ والمؤلفات النجدية المقروءة على علماء الدولة السعودية الأولى والثانية. وكذلك مكتبة عارف حكمت رحمه الله.

والمطلع على تلك المخطوطات يجد أسماء عدة لطلبة العلم من الأسر المعروفة حتى اليوم وسيستفيد منها الباحثون لمعرفة الروابط العلمية والاجتماعية والأسرية بينهم.

ولعلنا بحوله تعالى نستعرض هنا قوائم متفرقة واختيارات متعددة من تلك الكنوز التراثية من بعض المكتبات بعد المكتبة المحمودية في المدينة النبوية كمكتبة الإفتاء السعودية من خلال قوائمها المكتوبة والمفهرسة منذ السبعينات الهجرية من القرن الماضي ومكتبة الأوقاف في وزارة الشؤون الإسلامية في الكويت ومكتبة الشيخ محمد نصيف من خلال فهرس مخطوط كتب قبل أكثر من سبعين سنة وغيرهما من المكتبات. إضافة إلى بعض المكتبات الخاصة الداخلية والخارجية.

وقد تفرقت بعض مخطوطات المكتبة المحمودية التي أخذت من منطقة نجد فيما بعد فقد وجدت بعضا منها في بعض المكتبات الخاصة وكذلك في مكتبة الإفتاء السعودية أو في تركيا والاحساء. ولعل ذلك راجع إلى استعارة هؤلاء العلماء لها ثم بقيت عندهم فترات طويلة.

ولعل أول ما لفت انتباهي لأسماء النساخ النجدين وبعض مؤلفاتهم في هذه المكتبة هو العمل الذي رعته جامعة أم القرى «فهرس الفقه الحنبلي» بإشراف الدكتور البحاثة عبدالرحمن العثيمين وفقه الله. حيث قام بأعداد هذا الفهرس قسم الفهرسة بالمركز. ولم يذكر تاريخه إلا أنني ابتعت هذا الكتاب من معرض الرياض للكتاب قبل أكثر من عشر سنوات تقريباً. ثم قامت وزارة الشؤون الإسلامية مشكورة بإصدار كتابين ضم فيهما ما يخص المكتبة المحمودية ضمن كتابيين الأول بعنوان: فهرس مخطوطات الحديث الشريف وعلومه في مكتبة الملك عبدالعزيز بالمدينة المنورة وصدر في عام 1423ه. وبعدها سعيت لطلب تصوير تلكم المخطوطات الخاصة بالمحمودية. والفهرس الثاني بعنوان فهرس مخطوطات التفسير والتجويد والقراءات وعلوم القرآن في مكتبة الملك عبدالعزيز بالمدينة المنورة وكلا الكتابين أعدها الأستاذ عمار تمالت وراجعها الدكتور عبدالرحمن المزيني وقدمها معالي وزير الشؤون الإسلامية الدكتور صالح آل الشيخ. فأخذت في مراسلة مكتبة المكتبة المحمودية ومكتبة الحرم النبوي فبعثوا لي مشكورين مصورات عديدة لبعض ما طلبته في عام 1423ه.. وسنستعرض بحوله تعالى هذين الكتابين فيما بعد.

ويجب التذكير أن هناك عدداً ليس بالقليل من المخطوطات التي لم يُشر لاسم الناسخ فيها. مع أنهم نجديون كما يتبين من أقلامهم وخطوطهم.

وسنشير إلى من نص على أسمائهم فقط من خلالها. وهذه الأسماء تشمل كثيرا من البلدات النجدية كالدرعية والرياض والعيينة كالشيخ عبدالله بن عون - وأشرنا لذلك ضمن حلقة سابقة - والجبيلة والخرج والحوطة ومنطقة سدير والوشم والمجمعة والقصيم وغيرها من المناطق الأخرى في الجزيرة العربية.

من مخطوطات المكتبة المحمودية:

1- الجزء الأول: من شرح منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات معونة أولي النهي شرح المنتهي للفقيه الفتوحي الحنبلي. برقم (1431). بخط: عبدالله بن محمد بن عبدالله بن بسام «نسخ في سنة: 1039ه. وعدد أوراقها «267» فقه حنبلي. والمخطوط هو وقف لوجه الله تعالى كما جاء على يسار الورقة. وقد أوقفه (سليمان بن عبدالله ابن عكلي) في عام 1205ه ثم على يسار الورقة الأولى «وقف لوجه الله تعالى على طلبة العلم.. سنة 1213ه». وكذلك أسفله وقف آخر «سليمان بن عبدالله بن عكلي». (انظر: لوحة رقم 1،2).

2- الإقناع لطالب الانتفاع للحجاوي. عدد أوراقها «179» ورقة. وهي برقم (1399). جاء على ورقتها الأولى (هذا الكتاب وقف على طلبة العلم من الحنابلة رحم الله موقفه). وتاريخ نسخة في عام 1048ه. وهو بخط: (عبدالله بن محمد بن عبدالله بن محمد بن علي بن محمد بن عبدالله بن بسام). وآخرها (تم الكتاب المبارك بحمد الله وحسن توفيقه بعد الظهر يوم الاثنين عشرين شوال أحد شهور سنة 48 بعد الألف هجرية..) (انظر لوحة 3).

3- الجزء الثالث من شرح الإقناع للبهوتي الحنبلي. وهي (برقم 1410) ويظهر على الورقة الأولى -ما بين العنوان- تعليقات العلامة المنقور في الأعلى والأسفل وخطه مقروء ولكنه ليس جميلاً حيث احتفظ بمجوعة من خطوطه الأصلية رحمه الله. ثم أسفل تعليقاته قال بخط واضح (من فضل المنعم الشكور ملكه الفقير إلى عفو ربه الغفور أحمد بن محمد المنقور). وقع المخطوط في (227 صفحة) وتم نسخه في عام 1095ه جاء في آخره ما نصه (وكان الفراغ من هذا الجزء يوم الجمعة سادس ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وألف على يد الفقير الحقير كثير الإساءة وكذلك والتقصير إبراهيم بن سليمان غفر الله ذنوبه...). (لوحة 4).

4- سنن الترمذي برقم (785). على الورقة الأولى وقف وهي بخط (عبدالله بن عون). وتقع في (321) ورقة وآخرها ترجمة للترمذي. ويبدوا أنها نسخت ككثير من منسوخاته في الثلث الأول من القرن الثالث عشر الهجري. (لوحة 5). وقد أشار لها في سجل كتبه الموقفه.

5- كتاب الجامع الصغير للسيوطي برقم (813). ويقع في (378 ورقة) جاء آخرها ما نصه (وكان الفراغ من هذا الكتاب بعون الله وحسن توفيقه عشية الأحد الخامس من شهر ربيع الثاني بقلم الفقير المسكين الذليل علي بن راشد بن دغيثر بن راشد بن مرحل الشافعي مذهباً الرفاعي مشرباً غفر الله له ولوالديه وللمسلمين والمرجو من الله ببركته أن يشفع لنا بتسويد الحديث وكان سنة 1091ه على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام وكان ذلك بأمر مالكه الشيخ محمد بن موسي) ثم على يسارها جاء (وكان مدة أيام كتابته ثمانية وثلاثين يوماً). (لوحة 6).

6- مجموعة الرسائل والفتاوى لشيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن تيمية. برقم (2593) وعليها تملك باسم (ملكه من فضل ربه علي بن محمد بن عبدالوهاب بن سليمان عفا الله عنه). وعلى هذه النسخة إضافات وتعليقات. وتقع في (374) ورقة. (لوحة 7).

7- مختصر الإنصاف والشرح الكبير للشيخ محمد بن عبدالوهاب. نسخ في: 13/شوال/ 1212ه. وهو برقم (1448). عدد أوراقه «242» ورقة.

وعلى يسار النسخة جاء (ملكه من فضل ربه.. ناصر بن حسين بن محمد بن عبدالوهاب) ثم الختم. ويلاحظ أن هذا الاسم لم يرد في مشجرة أسرة آل الشيخ حيث أن الشيخ حسين له: علي، عبدالرحمن، عبدالملك، حسن، حمد. (وهؤلاء كما ذكرهم صاحب مشاهير علماء نجد والبيان الواضح) ولذلك يستدرك عليهم هذا الاسم. (لوحة 8).

8- الجزء الأول من شرح المقنع للمقدسي برقم (1412). يقع في (292 ورقة) وعلى الورقة الأولى وقفية للشيخ محمد بن ربيعة العوسجي رحمه الله وعليه مطالعه في عام 936ه. وعلى وقفيته شهود عدة.

9- نسخة من شرح المنتهي للبهوتي (تقع في 392) وهي برقم (1457) في أعلى الورقة الأولى ما نصه (بفضل الله المولى ونشكره علي بن عبدالقادر بن عبدالله ثم بعد ذلك ملكه سليمان بن ابرهيم) نسخت في (أول شهر الله المحرم الحرام ابتدأ سنة خمس ومئة وألف من هجرة سيدنا محمد عليه وعلى آله وصحبه وسلم..) (لوحة 10).

10- الجزء الأول من كشاف القناع للبهوتي (برقم 1411). عدد ورقاته «297» آخره: تم الكتاب بحمد الله وشكره في شهر جمادى الآخرة من شهور سنة 1134ه من هجرة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام علي يد العبد الفقير المقر بالزلل والتقصير عجلان بن منيع ابن سويلم غفر الله له ولوالديه..) .

  • راشد بن عساكر