لو لم أكن سيدة لوددت أن أكون سيدة! هذا ما نقله مصطفى كامل عن ما قالته روز اليوسف عن نفسها، تلك الثورة التي أتت بقالب امرأة رقيقة وأنيقة وحالمة تحدت الصعاب وأثرت في الثقافة والسياسة والفن والمجتمع رغم انها لم تملك يوماً المؤهلات الكافية لذلك. من المناسب ذكر مسيرة كفاح هذه الأسطورة نبراساً للمرأة اليوم يبث الأمل واليقين بأن النجاح هو قدرة الإنسان على الحلم لا قدرة الظروف على فرض نفسها على حياته وان المقاومة تنبع أولاً من الإيمان بالاستحقاق والقدرة تلك التي تصنعها الذات بنفسها لا المجتمع حين يغذي المرأة خصوصاً بأفكار تحد من امكاناتها.

لم تحصل روز على أي شهادة مدرسية أو مؤهل أكاديمي كما لم تحصل على عائلة تساندها بالحب ولا على زواج مستقر ولا على الغنى برغم هذا كونت بنجاح فائق مدرسة انجبت العديد من مثقفي مصر كما انجبت الأديب الكبير إحسان عبدالقدوس، وكعمل قومي نبيل أثر بالوجدان وبالقرار أسست أهم الصحف المصرية نجاحاً وأهمية هي صحيفة روز اليوسف.

نقلاً عن جريدة مصرية تقول روز فيها: كلنا سنموت، ولكن هناك فرق بين شخص يموت وينتهي، وشخص مثلي يموت ولكن يظل حياً بسيرته وتاريخه (هكذا كانت روز تصنع تاريخها بوعي وهكذا لم تمت عندما غابت عن الحياة في 1958م). (اسمها الحقيقي) فاطمة يوسف (بدأت صراعها في الحياة عام 1888م)، (في طرابلس لبنان.. فيما بين عام 1958م)، و(عام 1888م) كانت روز اليوسف مثالا حياً للثقافة والكفاح والإصرار حيث اعتمدت في حضورها على طموح لا يؤمن بالتخاذل حتى في عز الفشل والحاجة للمواجهة والقتال.

ذاقت اليتم في السابعة من عمرها ولم تعرف بأنها يتيمة.. في ذلك الحين عانت من القسوة كثيراً دون أن تدري ما سر أن لا تجد الحنان إلا عند المربية.! مثل القصص التي لا يطاق حزنها كانت صدمة روز بواقعها خرافية.. كأن قدرها ارتدى روائيا منطويا على حزنه ومضى يقرر لها قصة خانقة. ليس عادياً أبداً أن تعرف فتاة في العاشرة فجأة أن والديها قررا الاستغناء عنها ببساطة لصديق ينوي الهجرة وكأنهما قررا الخلاص من مسؤولية حياتها.. ليس عادياً أيضاً أن تعرف فتاة العاشرة من الخادمة حقيقة ان والدتها جميلة توفيت عقب ولادتها وان والدها عثماني تاجر سافر إلى اسطنبول وتركها وديعة عند تلك الأسرة.. يرسل إليهم المال لرعايتها من حين لآخر حتى توفي هو الآخر وتغيرت معاملة الأسرة لها. سافرت روز فعلاً عقب معرفتها الحقيقة مع ذلك الصديق وفي الاسكندرية هربت نحو انعطافة هائلة في حياتها.

وجدها اسكندر فرح ممثل أنشأ فرقة مسرحية.. ضمها بنبل لأسرته كفرد منها.. وربما كان لهذا الخلق والأمان الذي شعرت به روز سبب في قرارها اعتماد مهنته (التمثيل) بعد ذلك مهنة لها. في الرابعة عشرة من عمرها تعلمت الحياة بصيغة أخرى القراءة والكتابة - حيث تعلمتهما في مصر لأول مرة - بالإضافة للتمثيل.. بدأته مع فرقة «عزيز عيد» المسرحية. تقول روز في مذكراتها انها لم تكن قد تجاوزت الرابعة عشرة حينما خطر لها العمل بالتمثيل وكانت تمضي كل مساء في المسارح تشاهد الفرق وهي تمثل الروايات الشهيرة وكانت تدلف إلى الكواليس حتى اكتشفها يوماً الفنان عزيز عيد، وهو الذي أخذ بيدها في دنيا الفن حين اختارها لدور سيدة عجوز رفضته كل ممثلات الفرقة. وأدته هي باحترافية لاقت استحساناً كبيراً من الجمهور.

فرقة عزيز عيد وفرقة عكاشة كانتا تمهيداً جميلاً لكل ما بنته روز اليوسف بعد ذلك.

حيث أدت أدواراً كبيرة على المسرح كما أدت أيضاً مقطوعات موسيقية مع محمد عبدالقدوس الذي تزوجت به وأنجبت ولدها «إحسان عبدالقدوس». التحقت بفرقة جورج أبيض عندما كونها عام 1912م وتألقت أثناء عملها مع يوسف وهبي بعد أن كون فرقة رمسيس عام 1923 وكانت بطلة الفرقة وبلغت ذروة المجد عندما مثلت دور مارجريت جوتيه في رواية غادة الكاميليا حتى أطلق عليها النقاد «سارة برنار الشرق» نجحت على المسرح نجاحاً كبيراً على مدى أربعة عشر عاماً ولكنها تركت فرقة رمسيس بعد خلاف مع يوسف وهبي فاعتزلت التمثيل واتجهت إلى الصحافة أصدرت في (اكتوبر 1925م) مجلة فنية اسمها «روز اليوسف» بدأتها بما لا يتجاوز الخمسة جنيهات انتشرت المجلة ونجحت حتى تحول منهجها للسياسة التي جرت عليها الويلات غدر وتنكر وحروب واعتقالات وسجن وضوائق مادية متلاحقة بسبب المنافسة السياسية.

روز اليوسف غير الحاملة لأي شهادات أكاديمية أو مؤهلات علمية كانت تمثل مدرسة ثقافية حين أنشأت بعد عشرة أعوام من إنشاء المجلة، صحيفة روز اليوسف التي كانت من القوة والانتشار بحيث هددت مكانة صحف كبيرة مثل جريدة (الأهرام) في ذلك الوقت. ساهمت روز اليوسف في حركة الأدب والثقافة بإصدار الكتاب الذهبي وسلسلة كتب فكرية وسياسية. عام 1956م أصدرت كتاباً بمذكراتها هو «ذكريات» ومجلة صباح الخير التي كانت رمزاً للقلوب الشابة والعقول المتحررة كما كان يقول شعارها وكانت بمثابة جامعة تخرج منها أكثر نجوم الصحافة في العصر الحديث. «تزوجت من ثلاثة رجال»: محمد عبدالقدوس «وأنجبت منه» إحسان عبدالقدوس، الأديب المصري المعروف، ثم تزوجت من المسرحي زكي طليمات، ثم من المحامي قاسم أمين حفيد قاسم أمين صاحب كتاب تحرير المرأة.

يقول الأستاذ مصطفى أمين في كتابه مسائل شخصية: إن أغرب ما في قصة هذه المعجزة انها وهي صاحبة أكبر مجلة سياسية في البلاد العربية لم تكن تعرف كيف تكتب، وكان خطها أشبه بخط طفل صغير، ومع ذلك كانت قارئة ممتازة وذواقة رائعة للأدب والشعر.