يواصل الأستاذ الدريس الحلقة الثانية عن أعلام القراء وبعض منسوخاتها.

نماذج للأصوات الحسنة في نجد من مشاهير القراء

المطلع على الموسوعة الرائدة الشاملة (علماء نجد خلال ثمانية قرون) للشيخ ابن بسام (المولود عام 1346- المتوفى 1424ه) يدرك بركة العلم وجهده الضخم الظاهر في كثرة نقوله لأحوال أعلام المترجم لهم فكأنه عمر طويلاً، وبالأخص وصف الأصوات الحسنة ممن عاصر أو نقل عنه، ثم إن المتأمل له يعلم مكانة هذا السفر العظيم الذي يعد منهاجاً لكتّاب السير الذاتية والتراجم الغيرية في إحاطته، ودقة نقله، ووفائه بأخبارهم وآثارهم، وصدق القائل:

إذا حفظ الإنسان أخبار من مضى.. توهمته قد عاش حيناً من الدهرِ

وممن ذكرهم ووصفهم بجودة التلاوة وحسنها، مايلي:

1- الشيخ عابد بن مشعان بن زعيزع الدحيلاني ت 1409ه يأتيه المصلون من أماكن بعيدة من حاضرة وبادية يستمتعون بصوته وحسن تلاوته.

227- الشيخ عبدالرحمن بن عقيل ت 1327ه كان ذا صوت حسن لايمل.

328- الشيخ عبدالعزيز بن صالح بن محمد الصيرامي ت 1345ه إذا قرأ القرآن كأن السامع لم يسمع القرآن قبل تلاوته.

429- الشيخ صالح بن عقيل الراجحي يقدَّم لصلاة التراويح لإجادته وقراءته وحسن صوته وأدائه

530- الشيخ عبداللطيف بن إيراهيم بن عبداللطيف آل مبارك ت1342ه... وقد وهبه الله حسن صوت وترتيلاً جميلاً للقرآن

631- عمر بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن أبابطين ت 1390ه صاحب صوت شجي ونغمة مؤثرة

732- الشيخ عبدالله بن محمد القرعاوي ت 1389ه كان مجوداً للقرآن له صوت رخيم

833- الشيخ عبدالله بن عبدالوهاب المزيَّن بعد 1346ه كان حسن الصوت جميل التلاوة

934- الشيخ أحمد بن عبدالمحسن بن حمد آل أبا حسين ت 1330ه وقد وهبه الله صوتاً جميلاً في تلاوة القرآن وحسن الترتيل... 35وكثيراً ماحدثني والدي - متعه الله بالصحة والعافية - عن قراءة الشيخ عبدالله بن بكر يقول 36(قراءته لها أثر في نفوس المصلين لجهارته وتجويده عندما يؤم المصلين بالجامع الكبير في الحريق؛ وأتذكر الشيخ يقرأ (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شئ إنه خبير بما تفعلون) 37يمد بها الوالد صوته يحكيها.

وهناك غيرهم الكثير ممن لم يترجم لهم من القراء وحسبي أن أشير الى علمين آخرين الأول في مدينة الرياض والآخر في بلدة منفوحة.

فالشيخ عبدالعزيز بن محمد بن يحيان. (ت في منتصف القرن الماضي تقريباً) أشهر قارئ للقرآن في مدينة الرياض في تلكم الفترة ووصف بأنه مجود للقرآن تجويداً بديعاً وذا نبرة صوتية متميزة. وقد صلى بأشهر المساجد في مدينة الرياض حيث صلى بمسجد المصمك ومسجد السدرة @ ولا يزال أهل الرياض الى اليوم يتذكرون صوته ويترحمون عليه. وكذلك في بلدة منفوحة الملاصقة للرياض حيث درس الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ وأخذ علم القراءة عن الشيخ ابراهيم بن رضيان وهو أحد اشهر حملة القرآن في بلدة منفوحة وتولى امامه المسجد القبلي فيها مدة طويلة. وأما الشيخ الآخر فهو ابراهيم بن رضيان الذي أتقن القرآن حفظاً وتجويداً على الشيخ البطيحي المشهور بعلم القراءات وأخذها عن الشيخ ابن سهل والذي أخذ الأخير عن الشيخ عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ. @@

وصف قراءة أهل نجد القرآن الكريم،

وكيف نقلها أهل السير والتراجم

والناظر في البيئات التي انتشرت فيها القراءات أداءً وتعليماً وتصنيفاً يجد سمة في كل إقليم فلربما تميز مكان عن مكان، أو زمان عن زمان، إلا أن ثمة خاصية في الأداء يجتمع عليها القراء أو غالبيتهم مما يعد كالسمة الظاهرة لهم، وتلك السمة الغالبة هي مايعرف ويسمى بالمقام أو طريقة الأداء أو النهج في قراءة القرآن مما هو معلوم ومقرر في فن المقامات لدى عارفيه، وربما يتميز به أفراد وجماعات في أجزاء من إقليم واحد؛ فيكون في الإقليم طريقتان أو أكثر، وقياس هذه الظاهرة الصوتية أمر عسير - في محيط لم تنضج فيه القراءة ولم يعن بها أرباب ذاك الفن عناية ممنهجة - إلا أن الحكم بالأغلبية ربما يعكس بعضاً من الصفات، وكل صوت له مقام معلوم يحمل ميزات وملامح، والذي نحن بصدده هو محاولة معرفة طريقة وأداء قراءة النجديين من خلال وصف أصوات القراء في نجد من خلال التراجم والسير والرواية الشفهية؛ كي نقف على تحديد طريقة القراءة عندهم، ونهجها ومهيعها فحين نقرأ تراجمهم نجد كلاما عاما، ووصفا لا يمكن قياسه وتصوره؛ لأنها أوصاف عامة وشائعة في جنسها، تغلب عليها العاطفة والميل الانجذابي، والحقيقة أنها مزيج من وصف لحلاوة الصوت وعذوبته، وبين أثر التلقي والتلقين، وبين جهارة الصوت وضعفه، فعدم التمحيص من نقلة التراجم - غفر الله لهم - وإمرار ما كتب لهم عن أعلام القراء دون تروّ وتدقيق أحدث فجوة بين وصف الصوت وأثره، فماذا نفهم من وصف أهل التراجم للقراء الحسنة أصواتهم والمؤثرة: (كان ذا صوت حسن، يجيد التلاوة والترتيل، يبكي السامعين، لايمل من سماع صوته، صاحب صوت شجي ونغمة مؤثرة حقاً تلك الأوصاف لا توقفنا على السمات البارزة للصوت النجدي، وبخاصة إن كان ذاك المقرئ الموصوف بالإجادة أو الترتيل لم يتعلم على مجود معروف، أو أنه يقاس بمستوى الجودة من مكان لآخر أو آخرين ممن هم أقل منه في بلدته، فعليه ينصرف وصف المترجمين حينذاك، إلى جهارة الصوت من ضعفه، أو ينصرف لحفظه التام وإتقانه، أو ينصرف للتحزين السائد في نجد في تلاوتهم للقرآن وصوتهم، وشعرهم وشجاهم، أو ينصرف لأثر القراءة في القارئ والمستمع يذكر الأستاذ الرويشد عن الراوية العجيري ت 1352ه أن له (ميزةً صوتية غريبة في تلاوة القرآن الكريم وقراءة الشعر تعتمد على التغني بالقراءة بما يشبه طرق الإنشاد والترتيل الغنائي الذي كان شائعاً في العصور العباسية.. ومن بقيته تلك المقامات التي يرسلها القبنجي بموسيقاه المميزة وغيره في إذاعة بغداد... وممن عرفه ابن رويشد وأدركه بالتنغيم الشيخ عبدالرحمن القويز الذي يقرأ للملك عبدالعزيز في مجالسه، وكذلك الرجل الوقور محمد بن أحمد بن سعيد.. هذان الرجلان كانا يرسلان القراءة على طريقة التنغيم المتوارثة فيما يظهر لي عن العهد العباسي الثاني) 38وربما كان أثر المدح للقارئ ربما لصوت جديد جلبه من بيئة أخرى، ومن أبرز ميزات أصوات النجديين مما سبق مايلي:

1- ترك العناية بغالب أحكام التجويد.

2- القراءة بالفطرة دون تكلف والسرعة أي ما يشبه الحدر

3.39- إهمال الحركة الإعرابية في الفواصل، وإحلال الكسرة لأجل التقاء الساكنين غالباً.

4- غلبة الصوت الشجي الحزين، الحسن النغمة.

وجه الشبه بين قراءة أهل نجد وقراءة أبي موسى الأشعري في صفة التحزين

وربما كانت بمجمل صفاتها أقرب إلى التحزين وهي وصف قراءة أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - الذي استمع النبي - عليه الصلاة والسلام - لقراءته، وقد نص الفقهاء: أن تكون القراءة بحزَن مستدلين على ذلك بحديث يروى عنه - صلى الله عليه وسلم - : (إن هذا القرآن نزل بحُزنٍ فاقرأوه بحُزن) رواه ابن ماجه وغيره، ومما قيل في معناه: يقرأونه بطريقة أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أخذاً من قوله (لحبرته لك تحبيرا) أي: يحزّنه قال ذلك الإمام أحمد - رحمه الله040، وتقريب قراءة التحزين: ما قاله سليمان بن مسلم سمعت أبا جعفر يحكي لنا قراءة أبي هريرة - رضي الله عنه - في (إذا الشمس كورت) يحزنها شبه الرثاء، وعن ثابت البناني قال: كان لعون (أحد التابعين) جارية، يقال لها بشرة؛ تقرأ بالألحان، فقلت لها يوماً: اقرئي على إخواني؛ فكانت تقرأ بصوت وجيعٍ حزين فرأيتهم يلقون العمائم يبكون41، وممايقرب وصفها ماروي عن الفضيل بن عياض - رحمه الله - كانت قراءته حزينة شهية بطيئة مترسلة كأنه يخاطب إنساناً 42، ومما سبق يظهر جلياً أثر الترسل والتحزين في القراءة للقارئ والمستمع، وأن قراءة أهل نجد قريبة منهما أداءً ونغما وأثراً في السامعين، ولو ابتعدت عن منهج القراءة الحديث ومدرسته.

موقع قراءة النجديين من تصنيف المقامات

أما محاولة خلع وصف المقامات الشهيرة على قراءة النجديين فإن مقام أهل نجد من خلال ما سبق من تلمس للصفات والسمات مقام يسمى مقام الركباني ذاك المقام الذي له إيقاع مثل إيقاع الجمل 43، ومسماه من رمز الطبيعة الصحراوية لأهل نجد، وهو يقارب صوت الشيخ محمد بن سبيل إمام الحرم المكي - سدده الله، وما شابه الشيخ من قراءة كبار السن في قرى نجد، ولا شك أن المقام ليس دائم الصفة لايتغير، فبالمدارس النظامية والتعليم الحديث ترقى أبناء البلد في هذا الفن، وبرزوا فيه قامات في التعليم والتحقيق، ونافسوا فيه مقرئين مشاهير، وصوت النجدي في المكتبة الصوتية خير شاهد على ذلك، ولعل قابل الأيام تتحفنا بأثر متعلمي القراءات والمجازين فيه بإثراء المكتبة الإسلامية بجهود ذات أثر في القراءة والأداء والتصنيف كما هو حال أبناء نجد في كثير من العلوم والفنون التي تخدم الدين، وتقرب كنوزه الثمينة للأمة الإسلامية في كل مكان في ظل حكومة آل سعود - أيدها الله - التي لا تألو جهداً في خدمة هذا الدين الحنيف، وتيسير سبله لأبنائها في ميادينها المختلفة بدءاً من دور التعليم المبكرة حتى أروقة جامعاتها العريقة المتصلة بالعالمين العربي والإسلامي في أرجاء المعمورة، وللحديث صلة - إن شاء ربي - في ذكر آثار هذا العلم على متعلميه من خلال ذكر نماذج من مخطوطاتهم وعناصر أخرى يسرها الله، ولقد اعتمدت في التراجم مرجعين فقط لشمولهما، وهما: علماء نجد خلال ثمانية قرون لابن بسام ت 1424ه ومشاهير علماء نجد وغيرهم لعبدالرحمن بن عبداللطيف آل الشيخ ت 1406ه هذا ما استطعت تسليط الضوء على بعض معالمه، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

الهوامش

27- علماء نجد خلال ثمانية قرون لابن بسام

286/3- المرجع السابق

29126/3- المرجع السابق

30386/3- المرجع السابق 523/2وفاته (د. ت) دون تاريخ محدد في المرجع.

31- المرجع السابق

32550/3- المرجع السابق

33320/5- المرجع السابق

34400/4- المرجع السابق

35297/4- المرجع السابق

36489/1- قاضي الحريق وملحقاتها ت 1373ه

37- سورة النمل آية

88.@ تاريخ المساجد والأوقاف القديمة في بلد الرياض، تأليف راشد بن عساكر، ص

89.@@ تاريخ المساجد، ص230، 231.ومشاهير علماء نجد، آل الشيخ ص

38.11- العجيري: سيرة ذاتية - ملحمة شعرية لعبدالرحمن بن سليمان الرويشد ط 14121ه الصفحات 15- 19- 22بتصرف.

39- الحدر: القراءة بسرعة مع مراعة أحكام التجويد.

40- المغني للعلامة ابن قدامة 2155-

41/614- سير أعلام النبلاء للعلامة الذهبي

42105/5- المرجع السابق

43420/5- المقامات الموسيقية الشرقية د. أحمد مهدي، أفادني بالمقام والمرجع الشيخ عادل السنيد - أثابه الله.