لدى الروائي التشيكي الكبير "ميلان كونديرا" رأي واضح وصريح في رواياته، هي لا تصلح أن تكون فيلماً سينمائياً، لأن شخصيات رواياته تفقد صفاتها الأساسية أثناء الانتقال من الورق إلى الشاشة الكبيرة، فلا يبقى منها سوى الإكسسوارات وشيء من الإثارة يضاف للأحداث، ليغدو الاقتباس ممتعاً.

هذا الرأي الذي يبدو رافضاً لعملية التحويل السينمائية لرواياته، لم يمنع كونديرا من الوقوف خلف تحويل روايته الأشهر "كائن لا تحتمل خفته" إلى فيلم سينمائي، تم إخراجه على يد الأمريكي "فيليب كوفمان" عام 1988م، من بطولة البريطاني دانييل داي لويس والفرنسية جولييت بينوش والسويدية لينا أولن، لدرجة أن كونديرا كتب قصيدة يلقيها "توماس - داي لويس" في أذن "تيريزا - بينوش" خصيصاً من أجل الفيلم.

في روايته التي نشرها عام 1984م، وترجمتها للعربية ماري طوق عن المركز العربي الثقافي عام 1991م، كتب كونديرا عن حياة المثقفين والفنانين في براغ عاصمة تشيكوسلوفاكيا عام 1968م، وما آلت إليه أمور البلاد إبان حقبة اجتياح جيوش الاتحاد السوفيتي الاشتراكي في ربيع تلك السنة، عبر ثلاثة شخوص رئيسية، توماس جراح المخ، وتعرفه على الفنانة سابينا، ثم تعرفه على تيريزا نادلة التقاها في أحد مصحات المدينة، وزواجه منها، انتقالهما إلى سويسرا وعودتهما، والتغيرات التي طرأت على حياتهما في براغ، ثم الانتقال إلى الريف. لكن سر الرواية يكمن في فلسفة توماس عن خفة الوزن، نظرية تدور في فلك فكرة نيتشه عن "العود الأبدي"، حياة واحدة لا يمكن تقييم أحداثها بحياة سابقة ولا الحكم عليها من حياة لاحقة، هو يقوم بعزل مفهوم الحب عن المعاشرة بطريقة ليست مفهومة لغيره بيد أنها تبدو جلية في نظره، وهو ما يخوله لوزن الشخوص المحيطة به، تيريزا الكائن الثقيل القادر على التحكم بروحه وجسده، ما يجعلها كياناً لا يمكنه العيش بدونه وعبئا ثقيلاً ترزح تحته روحه، سابينا ذات الوزن المعدوم والتي تخرج من محيط حياتهما وتعود، حتى تنتقل إلى أمريكا، وتسمع خبر نهايتهما المؤسي، الأشياء من دون الظروف الخفيفة لعرضيتها كما يؤكد في بداية الرواية.

كونديرا يبدع في آليات السرد، فهو يستعمل الزمن المتكسر، يغرق في المونولوجات النفسية وحديث الذهن، ينطلق وبشكل مذهل في تشخيص الفنون من موسيقى وتشيكل، ينطلق كمن خبر هذه الفنون وعرف بواطنها، وهو أمر يبدو معتاداً عند الروائيين الكبار من ثقله، وعلى الرغم من سعة الرواية، إلا أن كوفمان وفق في تحويلها بصورة خلابة، اختار لأحداثها فرنسا بدل التشيك، كما أن اختيار طاقمه كان موفقاً جداً في الثلاثي الرئيسي، وعملية السيناريو أوكلت إلى العملاق الفرنسي جان كلود كاريير، من أجل تزاوج مميز بين فنين رائعين.