أكدت هيئة السوق المالية قبل يومين استمرار برنامج الاكتتابات، وعللت الإجراء كمساهمة في خفض التضخم، وقالت إن وضع الأموال في أسهم الشركات هو أفضل من صرفها.

وأحدث هذا التأكيد ردود فعل مختلفة، طالب بعضها الهيئة بالاعتماد على نشرات مؤسسة النقد الإحصائية التي ترصد تحرك السيولة قبل إصدار أي حكم مثل وصف السيولة بالكافية.

وتشير كل من النشرة الإحصائية الشهرية لمؤسسة النقد (ساما)، وحركة أسعار الفائدة لدى البنوك، أن المؤسسة تقود برنامجا صارما للتحكم بحركة السيولة في الاقتصاد، هدفه كبح جماح التضخم، مع أن غالبية التقارير تتفق على تحميل الإيجارات والمساكن النصيب الأكبر، إضافة إلى العوامل الخارجية المتعلقة بارتفاع أسعار المواد الغذائية وصرف العملات.

ومن نتائج البرنامج ارتفاع حجم إصدار اذونات الخزينة، وهي أوراق دين حكومية قصيرة الأجل، تاريخ استحقاقها لا يتجاوز عدة شهور لسحب السيولة من البنوك، بنسبة 343%، وصولا إلى 73.9مليار ريال في شهر يوليو الماضي، مقارنة مع 16.7مليار ريال بنهاية 2007م .

كما رفعت المؤسسة متطلبات الوديعة النظامية على البنوك إلى 13%، من الودائع الجارية، و4% من الودائع الادخارية والآجلة، لتقليل نمو العرض النقدي، وتقليل قدرة البنوك على مزيد من الإقراض، وارتفع إجمالي الوديعة النظامية بنسبة 78% منذ بداية العام الحالي، وصولا إلى 64.2مليار ريال، وهذه المبالغ تقوم البنوك بإيداعها لدى مؤسسة النقد، ولا تدفع عليها المؤسسة أي فوائد.

وأدى برنامج مؤسسة النقد إلى رفع تكلفة القروض، والأموال على البنوك التي تتنافس حاليا على استقطاب الودائع، لتتمكن من زيادة الإقراض والتمويل، وتتماشى مع معايير ساما الجديدة، وتدفع بعض المصارف معدل فائدة تزيد عن 5.5% على الودائع نتيجة للتنافس، مقارنة بسعر الفائدة الأساسي البالغ2%، وهو مرشح للارتفاع إلى أكثر من 6%، مع اقتراب نهاية الربع الثالث لتجميل الميزانيات عبر رفع حجم ودائع العملاء.

من ناحية ثانية يعلق بعض المراقبين للقطاع المصرفي بالقول : إن المؤسسة نجحت إلى حد كبير في خطوة سابقة كانت قد قامت بها، وهي إبقاء سعر الإقراض :الريبو العكسي بمعدل 5.50%، الأمر الذي كان يعلق عليه المراقبون ذلك الوقت، بأن إبقاء سعر الإقراض دون تغيير لا يعني شيئا لعدم حاجة البنوك لأموال ذلك الوقت، بينما أشارت تقارير أخيرة إلى أن البنوك قد زاد اقتراضها من مؤسسة النقد بنسب ملحوظة .

وهو الأمر الذي يفسر ارتفاع أسعار الودائع التي تقدمها البنوك مؤخرا، إلى نسب تفوق معدل الفائدة الأساس بحوالي 200إلى 350نقطة أساس، لتصل إلى 5.50%

كما ارتفع سعر الاقتراض الداخلي بين البنوك (سايبور ثلاثة اشهر) من 2.2% إلى 4.2% في غضون أربعة أشهر، نتيجة لزيادة الطلب على الريال، كما زاد الطلب على الأموال المقيمة بالريال، ويتضح ذلك من خلال متابعة الزيادة الكبيرة في المطلوبات بين البنوك السعودية ب 16مليار ريال منذ نهاية عام 2007، حتى نهاية شهر يوليو الماضي بنسبة 80% .

إضافة إلى ذلك فان توقف الرهان على إعادة تقييم العملات الخليجية، خاصة الريال أدى إلى انسحاب جزء من الودائع الأجنبية لدى البنوك السعودية، وهذا احد الأمور التي تدفع البنوك لتقديم أسعار ودائع مرتفعة، واستقطاب الودائع المحلية، على حساب سوق الأسهم.

وتفسر الإجراءات الأخيرة من قبل ساما لامتصاص السيولة بشكل واضح، احد الأسباب الرئيسية لانخفاض حجم التداولات في سوق الأسهم إلى مستويات متدنية بدأت ملاحظتها في بداية شهر يوليو بسبب ارتفاع فوائد الودائع، وظهور اثر الإجراءات، وقد تراجعت قيمة التداول خلال شهر أغسطس الماضي الى 106مليارات ريال مقارنة بشهر يناير من العام الحالي والبالغة 329مليار ريال

وتوضح الإجراءات السابقة، أن سوق الأسهم في الوقت الحالي تعاني نقصا في السيولة، والحديث عن ضرورة امتصاص السيولة الزائدة من سوق الأسهم، يجب أن يدعم بالأرقام، وبمعنى آخر يجب أن نتحدث بلغة الأرقام عن حجم السيولة الزائدة التي نريد أن نسحبها من سوق الأسهم حتى لا يرتفع التضخم، وأين هذه السيولة التي امتصت جزءاً منها البنوك، نتيجة للإغراءات التي تقدمها للعملاء بأسعار الفائدة المرتفعة، والجزء الآخر ذهب إلى تغطية الاكتتابات، التي وصل حجمها في غضون 12شهراً، إلى 4.2مليارات سهم، بقيمة 65.6مليار ريال.

وتعد أسواق الأسهم أول مرآة تنعكس عليها القرارات الاقتصادية والنقدية، والملاحظ حاليا هو ضعف وتهجير لسيولتها نحو أسعار الفائدة والاكتتابات، وحرق بقيتها في الهبوط اليومي، وهذا لا يعني مطالبة مؤسسة النقد بالكف عن محاربة التضخم، ولكن يعني المطالبة بوجود تنسيق بين الهيئة، والمؤسسة اعتمادا على الإحصائيات والأرقام المعلنة، بحيث لا تفتحان جبهتين في وقت واحد لامتصاص سيولة السوق، وان تقتنع الهيئة بان الإجراءات التي تقوم بها مؤسسة النقد لمكافحة التضخم، كافية مقارنة بتدهور السوق الحالي، ويجب التنسيق بين الطرفين والتأكد من صلاحية استمرار القرارات ومناسبتها للظروف الحالية قبل طرح أي اكتتابات جديدة.

وفي النهاية فان لغة الأرقام المالية تشير إلى ضعف سيولة سوق الأسهم، ولن يتحرك إلا بوجود السيولة الكافية، كما إن الإصرار على طرح اكتتابات جديدة في هذا الوقت، من شانه مضاعفة قوائم المفلسين والمحطمين في السوق، ويطيل فترة المعاناة، وعلاج المشكلة.