استهلال : أنت تبحث عن عمل, أي عمل, فتجد واحداً في شركة صغيرة, مقرها في الدور السابع والنصف ! في إحدى البنايات. تعمل في أرشيف الشركة كمنسقٍ للملفات, وخلف إحدى الطاولات ترى فتحة في الجدار, فتحة صغيرة عميقة لا نهاية لها. ومن ثم تنسل -دون أن تدرك- إلى داخلها لتجد نفسك في نهاية الأمر في داخل عقل الممثل الأمريكي الشهير (جون مالكوفيتش) ! لتعيش معه -في داخله- ربع ساعة مليئة بالغرابة, ترى فيها ما يراه وتشعر بما يشعر, في رحلة هوس وجنون وعبث تنتهي سريعاً بأن يلفظك عقل «مالكوفيتش» لتجد نفسك ملقى على قارعة الطريق !. من أنت ؟ وكيف وصلت إلى عقل «مالكوفيتش» ؟ أنت لا تدري !.. تلك حكاية الفيلم الغرائبي البديع (أن تكون مالكوفيتش - Being John Malkovich).

العام 1929 م سجل أول ظهور صريح لأفلام من مثل هذا النوع الغريب, إذ ظهر فيه الفيلم السريالي الرائع (كلب أندلسي) للمخرج الإسباني لويس بونويل. وهذا الفيلم -رغم أنك لن تفهم حكايته بشكل حاسم- سيحقق لك متعة ذهنية فائقة وذلك من خلال مجموعة من الصور واللوحات الغرائبية التي يلقي بها عليك بشكل سريع ومتواصل وبطريقة هي أقرب إلى الهذيان منها إلى السرد الطبيعي المنطقي, فهو يبدأ بلقطة هي الأغرب والأعنف في تاريخ السينما حيث تكون الكاميرا موجهة إلى عين امرأة, وفي لحظة وبينما نحن نتابع ارتعاش رمش العين, تقترب شفرة «المشرط/الموسى» لتفتق العين وتقطعها وتقسمها إلى نصفين, لتبدو بوضوح الشعيرات الدموية, ولينبعث منها الدم بكثافة, في لقطة لا تخلو من البشاعة و القرف, لكنها رغم كل شيء لقطة جميلة وساحرة ! ومكمن سحرها هي مشاعر الدهشة والذهول والانبهار التي تغرسها في نفسك, والتي لن تتوقف عند هذا الحد بل سيزيدها حدة بعض اللقطات الأخرى, كلقطة خروج «النمل» من حفرة في منتصف يد بطل الفيلم, ومشهد «الغرفة» الذي شهد اجتماع بطل الفيلم بزوجته, ذلك المشهد الغريب فعلاً والذي احتوى صوراً غريبة تتحدى عقلك وتستفزه حتى الإنهاك, ففي المشهد تكون الزوجة جالسة في إحدى زوايا الغرفة, وزوجها في الزاوية المقابلة, حيث يقرر في لحظة الذهاب إليها, وما أن بلغ منتصف الغرفة حتى عاد إلى الخلف قليلاً ليلتقط حبلين كانا ملقيين على أرضية الغرفة, فيضعهما على كتفيه وكأنما هو يجر شيئاً, ثم يتجه صوب زوجته, ويجر الحبلين اللذين تعلق بهما اثنان من القساوسة ومن خلف كل واحد منهما آلة «بيانو»، وعلى كل بيانو هناك جثة «حمار» مضرجة بالدماء. ورغم الغرابة الظاهرة على هذه المشاهد, إلا أنه يبدو بوضوح أنها جاءت كتعبير عن مشاعر الرفض الصارخ التي يبديها مخرج الفيلم بونويل تجاه العادات والتقاليد التي يصورها كعقبات وقيود تؤدي -بالضرورة- إلى إطفاء شعلة «الرغبة» في الذات الإنسانية, وهو ما يؤدي في النهاية إلى قتل الإنسان ذاته. وبغض النظر عن الجماليات البصرية والفكرية التي قدمها فيلم (كلب أندلسي), يبقى الفيلم مهماً من الناحية التاريخية, وأهميته يستمدها من كونه أول فيلم يطبق مبادئ المذهب السريالي, وكذلك يستمدها من الأسماء التي شاركت فيه ومن تلك التي عايشت مرحلة صنعه, فمخرجه هو لويس بونويل رائد السريالية في السينما, ومن صاغ السيناريو له هو الرسام العالمي سلفاتور دالي, أما من حضر عرضه الأول فهو الفرنسي أندريه بريتون بذاته وهو مؤسس المذهب السريالي ومن كتب البيان السريالي العالمي الأول الذي أعلن فيه انبثاق هذا المذهب وانعتاقه وتحرره من ربقة المذهب العبثي «الدادائية».

بعد هذا الفيلم أصبحت واضحة الكيفية التي ستظهر بها الأفكار السريالية في السينما, حيث تظهر دائماً على شكل «حلم» وهذيان يجسد «الشعور» الداخلي للذات ويصور أفكار «اللاوعي» في داخل العقل البشري و التي دائماً ما تفرزها أحلامه. وببساطة فإن هذه الكيفية هي تصوير فقط لتلك الأحلام الداخلية التي تتنازعنا و التي تبدو في كثير من الأحيان غير مفهومة لكنها تحمل دلالات نفسية عميقة. وما عمله المخرجون الذين جاءوا بعد بونويل يؤكد هذا الأمر, ذلك أنهم قاموا فحسب بتصوير الأحلام دون تدخل في طبيعتها أو محاولة لسبر غور العقل من أجل التأمل في منشأ تلك الأفكار, هم لم يحاولوا إدخال «وعيهم» في «لاوعي» العقل البشري, إذ اكتفوا فقط بتصوير مخرجاته وما ينتجه من صور تنضح بالغرابة, وهذا يظهر جلياً في أفلام رواد السريالية والعبث والسرد الطليق الحر كالمخرج السويدي «أنغمار بيرجمان» والإيطالي «فيلليني» والأمريكي «ديفيد لينش». لكن الفترة القريبة الماضية سجلت استثناءً جميلاً, استثناءٌ عمل على تجديد وتطوير تكنيك وطريقة التناول السينمائي للأفكار الغرائبية والسريالية, حيث لم يصبح الأمر مجرد تصوير الأحلام, بل تجاوز ذلك إلى ولوج دهاليز العقل والتجول في ثنايا تلافيف الدماغ البشري من أجل البحث عن منشأ «الفكرة» وأصل «الشعور»، و فرض قوانين الوعي على «اللاوعي»، وقد جاء هذا التحديث والتطوير على يد السيناريست الأمريكي الشاب «تشارلي كوفمان» الذي غدا بفضل أفلامه الغريبة أحد الأسماء المهمة في هوليود والتي لا يمكن تجاوزها بسهولة.

استهل «كوفمان» مشواره السينمائي بالسيناريو الجريء والغريب الذي أنهى كتابته عام 1997 والذي اختار له عنوان «أن تكون مالكوفيتش»، و فيه يبدأ أولى جولاته الواعية في داخل الدماغ البشري, حيث نتابع فيه رحلة أبطال الفيلم -الممثل جون كوزاك والنجمة الجميلة كاميرون دياز- في عقل الممثل الأمريكي المعروف «جون مالكوفيتش» الذي يظهر في الفيلم بشخصيته الحقيقية ! الفيلم يصنف كسريالي, وما يميزه عن بقية الأفلام السريالية السابقة هو عدم انشغاله بتصوير غرابة الحلم, وقفزه المباشر إلى العقل و التجول فيه و التنقل بين مناطقه المتعددة, و تحديده التقريبي لموقع الأنا العليا -التي سيطر عليها كوزاك- والأنا السفلى -التي تتصارع فيها كاميرون دياز مع صديقتها !-, والأهم من ذلك كله ولوجه لتلك المنطقة السرية في الدماغ المعروفة بمنطقة «الخزي» والتي تحتوي جميع الذكريات التي يخجل منها صاحب العقل نفسه «جون مالكوفيتش». وغرابة كهذه فتحت آفاقاً أوسع لصناع السينما في هوليود ووسعت مداركهم ووجهتها نحو مناطق لا تزال خاماً لم يقتحمها أحد بعد, أعني بها الدماغ, ورغم ظهور العديد من الأفلام التي تحاكي ما قدمه «كوفمان» في فيلمه الأول, إلا أن الأصالة و الجودة بقيت قرينة لأعماله فحسب, حيث جاء في العام الماضي 2004 بفيلم آخر هو عبارة عن جولة أكثر جرأة في دماغٍ شارف على الانهيار, وقد ظهرت هذه الجولة بأبدع ما يمكن في فيلمه الأخير (إشراقة أبدية لعقل نظيف-Eternal Sunshine of the Spotless Mind) و فيه يواصل السباحة في لاوعي النجم «جيم كاري» -بطل الفيلم- الذي يهرب في داخل دماغه «هو» ممسكاً بـ «ذكرى» حبيبته, محاولاً الاختباء بها في أشد مناطق العقل منعة, منطقة «الخزي»، وذلك خشية أن ينساها إلى الأبد ! هو يصرخ من أعماقه, من لاوعيه, في رحلة هربه, وفي منتصف العملية : أريد إيقاف الأمر, دعوني احتفظ بذكراها ! وببساطة الفيلم يقدم لوحة غرائبية بديعة فاتنة وساحرة, استحق «كوفمان» عنها الترشيح لأوسكار أفضل سيناريو أصلي, كما استحقت النجمة «كيت وينسليت» الترشيح لجائزة أفضل ممثلة في أوسكار هذه السنة..