بداية؛ عندما نتحدث عن الغرب، فنحن لا نتحدث عن الغرب كتحيّز جغرافي، وإنما المقصود بالغرب: الغرب كحضارة، لها تاريخها، ولها استمراريتها التي تتأكد - تباعا - بمنطق خاص. ومن هنا، فالغرب كمصطلح، هو - عند المتحدثين عن إشكاليات غربية، أو إشكاليات مع الغرب - هو أوروبا الغربية، وأمريكا الشمالية، حتى وإن اتسع لدى بعضهم؛ فشمل العالم المتقدم، أو عالم الشمال، في مقابل عالم الجنوب.

هذا الغرب، هو موضوع أثير لخطاب الكراهية في العالم العربي. والخطاب هنا ليس خطاب الجماهير، أو خطاب التقليد المتماهي مع هذه الجماهير، وإنما هو الخطاب الثقافي المتسيّد في أكثر وسائل الإعلام، والمنتشر كالوباء، بين المثقفين ومدعي الثقافة على حد سواء. أي أنه (موضة) ثقافية منذ قرنين ولا يزال. بل يزال هذا الوباء في تنامٍ حاد، لم تستطع ومضات الوعي من هنا وهناك، أن تخترق جداره الفولاذي، بل ولا أن تقترب من هذا الجدار.

تضخّم هذا الأمر. فأصبح الغرب، ودائما الغرب، هو سبب مصائبنا، بل هو - عند بعضهم - السبب الوحيد، لواقعة التخلف التي تتلبس العربي منذ أمد طويل. يعلّق العروبوي والإسلاموي، كل فشل مارسناه ولا نزال نمارسه، بأن الغرب وراءه، وأننا لولا هذا الغرب؛ لكنا قد قطعنا كل أشواط النهضة، بل، وبنفس نازي، لهيمنا على العالم، ولأصبحنا نماذج خارقة لحضارة نوعية، لم ير العالم لها مثيلا!؛ كما يبشر الشيخان القطبيان: سيد ومحمد، في كل هتاف غفوي مجيد.

يحاول بعض المفكرين العرب البعد عن تبرير هذا الشعور الطاغي بالكراهية للغرب، بمحاولة تفسيره بطبيعة اللقاء بين العرب والغرب في العصر الحديث. وتفسيره عندهم: أن أول لقاء حقيقي مع الغرب في العصر الحديث، لم يكن مع الغرب الحضاري فحسب، وإنما مع الغرب الإمبريالي، وأن اللقاء لم يكن سلميا، وإنما كان على إيقاع مدافع نابليون. ومن ثم، فهو غرب محارب، وسيبقى - بفضل القضية الفلسطينية - محاربا. بل لن يبقى محاربا على تخوم بؤر الصراع، وإنما سيصبح - في هذا الوعي المأزوم - متآمرا على الأنـا، على خصوصيتها القومية، وخصوصيتها الدينية، وعلى مشروعها النهضوي المأمول.

بهذا، تحول الغرب من واقعة حضارية، يستمد منها العالم أجمع - إلا نحن بطبيعة الحال! - إلهامه الحضاري، تحول من هذا الوضع الإيجابي، إلى شيطان خارق، شيطان لا هم له إلا أن يعيق تقدمنا بشتى الوسائل، شيطان لا يزال يحلم ليل نهار بدمارنا. أما هدفه الأسمى والأعمق، فهو - تبعا لأوهام الأصولية - فهو تحويلنا عن ديننا؛ لأنه لن يستمر في تقدمه - وفق المعادلة الأصولية! - إلا بانحطاطنا!.

هذا التصور المرضي، يكاد يكون عاما في العالم العربي. ولهذا ناقشه جورج طرابيشي في كتاب خاص، عنونه بـ (المرض بالغرب)، وأكد ذلك هاشم صالح - على طريقته - في كتابه (الانسداد التاريخي) من خلال التعليق على رؤية طرابيشي، التي يرى فيها أن الغرب يمثل الجرح النرجسي للذات العربية. فهذا الغرب - كما يرى طرابيشي - هو الذي يذكّر - بتقدمه الباهر والمستمر - العرب بتخلفهم وانحطاطهم، هو الغرب الذي يذكرهم من خلال نجاحه المتواصل، بفشلهم المتواصل. ويزداد الجرح عمقا وألما؛ عندما يكون الإنسان العربي قد تم إيهامه بأنه الأفضل نفسا، والأنقى تاريخا، والأحق بالتقدم، و - عند الأصولية - الأجدر بقياد البشرية، وتوجيهها نحو السراط المستقيم.

عندما يمتلئ العربي أو المسلم بأوهام التفرد والخصوصية والامتياز، وعندما يشحن بتصورات شوفونية عن نفسه وعن الآخرين، فإنه في حال اصطدم بواقع لا يختلف مع هذا التصور فحسب، وإنما يعكس هذا التصور تماما، ويقلبه رأسا على عقب كما يقال، فإنه سيتحطم، وسيعاني من حالة العصاب التي وصفها طرابيشي. كيف سيتكيّف هذا المشحون وهما، بواقع أن الغرب هو صاحب الامتياز، وهو المتقدم، وهو القائد الفعلي للبشرية، بينما هو - في مقابل كل هذا - لا شيء، أو يكاد أن يكون كذلك.

في العالم العربي، وفي العالم الإسلامي أيضا، يعي كل فرد هذه الوقائع المادية المتعينة بكل أبعادها، يعيها بكل حاسّة من حواسه، وفي كل جزئية من تفاصيل حياته اليومية. ومن ثم، فهي حقيقة مؤلمة، وألمها دائم وموزع على أكثر من مستوى. ولأن هذا واقع لا يمكن إنكاره أو القفز عليه، فإن كل فرد من هؤلاء يهرب إلى عالم موهوم بأوهام الاضطهاد، يهرب إلى حيث يقيم تصورات خاصة عن مظلومية العرب، ومظلومية المسلمين.

المسلمون - في سياق هذه المظلومية التي يتم الهروب إليها من لهيب الواقع - مضطهدون من الجميع، وهم لا يظلمون أحدا، وإنما على العكس، يتم اضطهادهم على الدوام. والعرب كذلك، فخطاب العروبوية، لم يسائل أي ممارسة عربية في حق الآخر، لم يسائل أي ممارسة عربية على مدى أكثر من سبعين عاما من النشاط القومي المجيد. وهذا يتضح - بجلاء - في معالجة الخطاب القوموي لمسألة الأقليات غير العربية في العالم العربي، حيث نجد التصديق الصريح أو الضمني على كل صور الاضطهاد في حق هذه الأقليات.

المؤلم في كل هذا، أن هذا الشعور المأزوم ليس شعور الجماهير التي تتراقص على دق الطبول بأمجادها التاريخية، والتي تستجيب - على نحو غرائزي - لكل من يدعّم رؤيتها النرجسية لذاتها، وإنما هي رؤية يتم تدشينها في مشاريع ثقافية!، ولا يعترض عليها إلا أقل القليل. ليس هذه الرؤية نابعة من شخصيات مغرقة في تراثيتها وتقليديتها، كمحمود شاكر أو محمد قطب مثلا، بل ليس الأمر مقصورا على ما يسمى باليسار الإسلامي المعجون بروح عروبوية، كما عند حسن حنفي مثلا، فهؤلاء مأسورون من الأساس، وإنما يصل الأمر إلى مفكرين بحجم عبد الوهاب المسيري، الذي حاول ويحاول الصدور عن جذر إنساني، يتجاوز مستوى التحيزات التي تفاصل - على نحو غير إنساني - بين بني الإنسان.

ليس الأمر مقصورا على المسيري وحده، فمعظم المشتغلين بالفكر في العالم العربي، حتى الذين يصنفون بأنهم مستغربون، عندما تأتي مسألة رؤية الآخر في مقابل الأنا، تجد - في قاع الرؤية - حالة كراهية مشوبة بحسد عارم، لهذا الغرب المتفوق. صحيح أن مثل هؤلاء لا يقارنون بالمسيري، لكن، يبقى أن لهم مساحة من التأثير لا يستهان بها. ولا شك أن وقوع المسيري - ربما نتيجة النشأة الأولى على إيقاع الطبول القومية - في فخ هذا الشعور المعادي - بقوة - للغرب، إلى درجة أن يقول في رحلته الفكرية ص222- مجرّما الغرب كله -: " وببساطة شديدة، أدركت أن (التقدم الغربي)هو ثمرة نهب العالم الثالث، وأن الحداثة الغربية لا يمكن فصلها عن عملية النهب هذه، وأن نهضة الغرب تمت على حساب العالم بأسره ". بل يقول - مدينا الغرب بنماذج أدانها الغرب قبل الآخرين -: " وبالتدرج بدأت أرى هذه الظواهر السلبية (الإمبريالية والنازية والصهيونية) بحُسبانها جزءا لصيقا ببنية النموذج الحضاري الغربي الحديث ".

على هذا النحو يتم التأسيس لخطاب كراهية، موجها للغرب. وهذا ليس من مثقف هامشي أو جماهيري، وإنما هو من مثقف استثنائي، بحجم عبدالوهاب المسيري. بهذه الصورة، يتم استدماج النماذج التي أدانها الوعي الغربي - في عمومه - لإدانة الغرب بوجه عام، وكأنه المسؤول عن كل مآسي العالم الثالث. ولا أدري لماذا لا يوجد مثل هذا الشعور عند اليابانيين مثلا، مع أنهم دخلوا في مواجهة مع الغرب (= أمريكا) في الحرب العالمية الثانية، ونالهم ما لم ينل غيرهم من ويلات هذه المواجهة الكبرى؟. هل لنجاح اليابان الكبير، دور في تجاوز هذا الشعور العدائي؟، هل مصدر عدائنا للغرب مجرد حسد ملتهب لهذا الغرب الذي يشعرنا بعجزنا وفشلنا المتواصل، وأن تفوق الياباني أعطاه حصانة ضد هذا الشعور المرضي؟، لماذا تقبع أمريكا في الوعي الياباني كنموذج، بل كنموذج محبوب؛ رغم قنبلتين ذريتين، واحتلال جارح للشعور القومي، بعد رحلات الانتصار؟.

نجحت اليابان، عندما تعاملت مع العالم المتقدم (= الغرب) كشريك، ولم تتعامل معه بمشاعر آنوية طفولية، تنتمي إلى عالم القرون الوسطى، وأدبيات عصور الفرسان!. عندما كانت اليابان تكره الغرب، وتتعامل بعقلية المبارز التقليدي، وصلت إلى حالة الدمار، لأنها لم تكن - بسلوكها التقليدي القروسطي - تعادي الغرب، وإنما كانت تعادي العالم المعاصر كله، الذي تتمثل قمته في ذلك الغرب. عندما بدأت (تفهم!)، بدأت تتقدم. بل الأهم، أنها عندما بدأت تفهم، بدأت تكون أكثر إنسانية، وتتعاطى مع العالم - بما في ذلك جيرانها الذين اكتووا بنيران تخلفها السابق - بمنطق إنساني مصلحي، منطق يدرك أن سعادة الجميع في التنافس الإنتاجي، وليس في لغة السلاح والهيمنة.

على هذا، فالتعامل الإيجابي مع الغرب، هو التعامل الذي يتعاطى مع الغرب كشريك، وليس كعدو. لا بد من تجاوز خطاب الكراهية للغرب، ذلك الخطاب الذي صنعته حناجر القوموية، ورسّخته - كحالة تدين - الشعارات الإسلاموية التي يقوم وجودها على خطاب العداء لكل الآخرين، الآخرين من الداخل والآخرين من الخارج. لا بد أن نعي الغرب لا بوصفه عدوا، ولا بوصفه جمعيات خيرية إنسانية، وإنما بوصفه واقعة حضارية إيجابية في عمومها، وأن تقدمنا مرهون بمدى قدرتنا على التعامل الإيجابي مع هذه الحضارة، وأن كراهيتنا للغرب لن تضره، وإنما ستوقع الضرر بنا، وستعمق تخلفنا، وستبقينا في حالة أزمة دائمة مع كل العالم. فهل نبدأ بالتعاطي مع الغرب كشريك؛ لنبدأ خطوتنا الأولى؟