ليست المرة الأولى التي يطرح فيها سؤال في فرنسا بشكل خاص وفي الغرب عموما حول مدى إسهام الحضارة العربية الإسلامية في نقل المعارف الإغريقية إلى الغرب في القرون الوسطى، بل إن السؤال طرح أكثر من مرة في العالم كله منذ قرون عديدة. وإذا كان أغلب الباحثين والمؤرخين الجادين قد شرحوا أكثر من مرة منذ قرون أن هذا الإسهام أساسي لاسيما في مايخص نقل المعارف الإغريقية عبر اللغة العربية إلى أوروبا خلال فترة الحضارة العربية الإسلامية الذهبية، فإن أستاذا جامعيا فرنسيا يدرس في جامعة ليون يؤكد اليوم في كتاب جديد صدر في شهر أبريل الماضي أنه لا فضل للحضارة العربية الإسلامية في نقل مثل هذه المعارف وأن كتب أرسطو وغيره من علماء اثينا القديمة كانت موجودة في بعض الأديرة الأوروبية وأن المسلمين لم يضطلعوا بأي دور في ترجمة ماجاء فيها ونقل معارفها إلى القارة الأوروبية . واسم هذا الأستاذ "سيلفان غوغنهايم". أما مؤلفه الجديد الصادر عن دار "السوي" الباريسية فعنوانه "أرسطو في جبل القديس سان ميشيل : جذور الغرب المسيحي الإغريقية".

وكان من الطبيعي جدا أن يلقى هذا الكتاب أصداء واسعة لدى الأوساط المتحاملة على الإسلام والمسلمين وأن تروج له هذه الأطراف عبر مواقعها على شبكة الإنترنت. ومع ذلك فإن الأوساط الأكاديمية الفرنسية والأوروبية والعالمية بدأت منذ أيام تتحرك لتحذر من مخاطر الوقوع في الفخ الذي يحاول "غوغنهايم" نصبه لكثير من الذين يجهلون تاريخ العلاقة بين الحضارة العربية والإسلامية من جهة وعصر النهضة الأوروبية من جهة أخرى.

أخطاء كثيرة وتضارب

ولابأس من استعراض الطريقة التي ردت من خلالها في الأيام الأخيرة مجموعة من المؤرخين والفلاسفة الفرنسيين وغير الفرنسيين على ما ورد في كتاب الأستاذ الفرنسي هذا. وقد جاء الرد في شكل منبر حر نشرته صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية يوم الثلاثين من شهر أبريل الماضي. ومن المآخذ التي أخذوها عليه في هذا الرد أنه يتوقف في كتابه عند الفترة الممتدة من القرن السادس إلى القرن العاشر حسب التقويم الميلادي والحال أن الفترة الأساسية التي ازدهرت فيها حركة نقل المعارف الإغريقية عبر اللغة العربية إلى أوروبا هي فترة القرنين الثالث عشر والرابع عشر.

أما بشأن الأطروحة التي يرى بموجبها الأستاذ الفرنسي أن المخطوطات الإغريقية التي جيء بها إلى الأديرة الأوروبية من قبل أطراف غير عربية وإسلامية هي التي أسهمت بشكل فاعل في هذه النهضة، فإن مجموعة المؤرخين والفلاسفة العالمية تعتبر أنها أطروحة واهية لعدة أسباب منها أنه لايكفي وضع كتاب في مكتبة ما حتى يصبح أداة من أدوات التنوير الفكري أو المعرفي. زد على ذلك أن الكتب الإغريقية التي نقلت إلى الأديرة الأوروبية ومنها دير جبل القديس ميشيل في مقاطعة "النورماندي" الفرنسية كان عددها قليلا جدا . ومن ثم فإنه من الصعب القبول بالفكرة القائلة بأنها أسهمت في النهضة الأوروبية إسهاما كبيرا حتى لو افترضنا جدلا أنها ترجمت كلها من قبل مترجمين أوروبيين . ومن أهم الأخطاء المنهجية التي يرتكبها "سيلفان غوغنهايم" في كتابه الجديد أنه يسعى إلى التفريق بين العرب المسلمين والعرب غير المسلمين، ويعتبر أن العرب المسيحيين الذين أسهموا في نقل جزء من التراث العلمي والمعرفي الإغريقي وغير الإغريقي إلى أوروبا في القرون الوسطى هم أوروبيون لأنهم مسيحيون. وهو مثلا حال حنين بن إسحق الذي ولد عام 809وتوفي عام 873م . وكان يلقب بأمير المترجمين .وقد عرب وحده قرابة مائتي كتاب لمؤلفين كثيرين منهم فلاسفة إغريق .

وتخلص مجموعة المؤرخين والفلاسفة العالميين إلى اتهام "سيلفان غوغنهايم" بالعنصرية الثقافية وبالسعي إلى تزوير حجج من أغراض إيديولوجية لاعلاقة لها البتة بالمنهجية التاريخية العلمية التي أرساها عربي يسمى "عبد الرحمن بن خلدون".