تقول العرب "وراء الأكمة ما وراءها". وأصلها حبستموني ووراء الأكمة ما وراءها، قالتها امرأة كانت واعدت تبعاً لها أن تأتيه وراء الأكمة إذا جُن الليل، وبينما هي مأخوذة بخدمة أهلها، نسّها شوق إلى موعدها، وطال عليها المكث وضجرت، فخرج منها الذي كانت لا تريد إظهاره وقالت: حبستموني ووراء الأكمة ما وراءها.

جاءت هذه المقدمة الجميلة نتيجة للبحث عن معنى كلمة أكمة الواردة في العنوان، وفيها مصداقية تلك المقولة "القارئ لا يبحث، القارئ يجد". هكذا وجدتها في قاموسي الحميم "لسان العرب، ولم أكن أحلم بحكاية مثل هذه، تكون مدخلاً لموضوع أعياد رأس السنة الميلادية أو أعراسها، التي تهتز لها مدن وقرى الغرب وبعض الشرق. وبعض المسلمين ممن يجدون فيها مناسبة لمشاركة الآخر أفراحه.

ولكن وراء الأكمة، وراء الأعياد، ما يعيد الإنسان إلى قوله سبحانه {إن الإنسان خلق هلوعا} ولأنه هكذا، فإن آلاف النصوص التي حاولت تنقيته وتنظيفه وتربيته، كلها تنهار أمام هذه الطبيعة البائسة.

ففي بريطانيا مثلاً وهي من هي في الديمقراطية والتربية والثقافة، صدر قرار يحرم على أي ممن يتقمصون شخصية بابا نويل أن يحتضن طفلاً أو أن يضعه في حجره كما جرت العادة، بعد أن تيقنوا من أن هؤلاء ليسوا على نظافة ونقاء الأسطورة.

وفي فرنسا وهي الأخرى من هي، جرى سطو هائل قبل الأعياد على الغابات التي تنمو فيها الأشجار التي تزين هذه الأعياد. وتعرضت كل شجرة إلى ما يشبه القصف الأمريكي للفلوجة وغيرها لكي يبيعوا سرقاتهم وجرائمهم للاحتفاء بأعيادهم، وليس هناك من مساءلة، وكأن الجميع متواطئون على هذا السلوك. فلا المشتري الموزع يسأل عن الأصل ولا الزبون ولا السارق يعلن عن مصدره.

هكذا يحتفلون والجميع يعرف أن وراء الأكمة ما وراءها، وهكذا تحولت تلك الحكاية التي أثبتت هذا المثل بما فيها من متعة وإنسانية إلى ضوء ساطع يعرى إنسان هذا الزمان ويكشف عفنه وبؤسه وشراسته.

سيحتفلون في أمريكا أيضاً، وسيحتفل الجيش الأمريكي في بغداد والفلوجة وأفغانستان وغيرها بهذه الأعياد، وسيحمل الرئيس بوش أو وزير دفاعه ذلك الديك الرومي الضخم الذي يسيل له لعاب الفقراء في العالم، وتسيل على جوانبه دماء النساء والأطفال والشيوخ التي ذبحت في الوقت ذاته احتفاء بأعيادهم وديمقراطيتهم ومكاسبهم. ومع هذا سنظل نحب، ونعطي المواعيد، ونعرف ما وراء الأكمة.