كتب الدكتور خالد الدخيل - أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة الملك سعود - مقالاً في جريدة الاتحاد الإماراتية عنوانه: "العبيكان" بين رفض الجهاد والتعايش مع الاحتلال. ولا أخفيكم أنني عندما قرأت العنوان كنت أظن أن الدكتور الدخيل سيتناول الموضوع من وجهة نظر سياسية تحليلية، كما هو تخصصه. غير أنني فوجئت أنه تناول الموضوع من وجهة نظر فقهية بحتة، سواء من حيث الاستدلال أو المقارنات؛ الأمر الذي جعل طرحه - في رأيي على الأقل - يبدو مرتبكاً، ويعوزه الكثير من الروابط العلمية والأصولية - كما سأبين لاحقاً - ليظهر متماسكاً ومقنعاً، ثم ليرتقي إلى مستوى القضية التي ندب نفسه إلى الخوض فيها، والتي يبدو أنه لا يملك أدوات نقاشها كما ينبغي.

بعد هذه المقدمة التي وجدت أن من الضرورة البدء بها، سأنتقل إلى المقال محاولاً تبرير ما أقول.

من الواضح أن الدكتور الدخيل يعتبر أن المقاومة في العراق تدخل في دائرة الجهاد بمفهومه الإسلامي، يتضح ذلك من عنوان المقال نفسه، فالعنوان يؤكد أن الشيخ العبيكان (يرفض) الجهاد ويدعو (للتعايش) مع الاحتلال، كما أن الدكتور الدخيل في المقال ذاته، يتهم الشيخ العبيكان بأنه وظف "الآلية الفقهية" (التي تجعل من القوة والغلبة المصدر الأساسي لشرعية الحكم) مبرراً لاحتلال العراق.

وحتى يتحرر محل النزاع، لابد من الإشارة هنا إلى أن الشيخ العبيكان ليس هو أول من قال بطاعة الإمام المتغلب، بل أن أغلب رموز المدرسة السلفية التي ينتمي إليها الشيخ قالوا بهذا الرأي، وأكدوه في كتبهم وفتاواهم ودروسهم. يقول الإمام أحمد بن حنبل: (ومن غلب عليهم بالسيف؛ حتى صار خليفة، وسمَّي أمير المؤمنين؛ فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً؛ براً كان أو فاجراً)، وقال صاحب "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل": (والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر ومن ولي الخلافة من اجتمع الناس عليه ورضوه ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة ويسمى أمير المؤمنين والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة البر والفاجر). والإمام محمد بن عبدالوهاب يقول: (الأمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد - أو بلدان - له حكم الإمام في جميع الأشياء). والشوكاني في "نيل الأوطار" ينقل عن الحافظ ابن حجر في الفتح: (وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء). وقبلهم جميعاً كان ابن عمر رضي الله عنه يقول بأنه (يصلي وراء من غلب). فالشيخ العبيكان - كما ترى - لم يكن مشتطاً حين قال بمثل هذا القول، كما أن قول الدكتور الدخيل بأن الشيخ العبيكان: (وظف هذه الآلية لتبرير احتلال بلد عربي مسلم)، يعد حكماً على النوايا، فالشيخ العبيكان لم يزد على أنه فعّل هذه الآلية على هذه "النازلة"، وانتهى بالتالي إلى هذه النتائج، وكان موقفه منسجماً مع الفكر السلفي الذي يوجب طاعة الإمام المتغلب، كما يعرف كل دارس للشريعة، قد يكون اجتهاده صحيحاً، وقد يكون خلاف ذلك، غير أن المهم بالنسبة لي أن تأصيله الشرعي (فقهياً) لا غبار عليه، وهذا ما يحاول الدكتور الدخيل التشكيك فيه كما تقدم.

والغريب أن الدكتور الدخيل في مقاله يعيب على الشيخ العبيكان حكمه بشرعية الحكومة العراقية احتجاجا بقصة يوسف عليه السلام. وهذه - مرة أخرى - قضية أصولية أيضاً. فالمدرسة الفقهية التي ينتمي اليها العبيكان تقول قاعدتها الأصولية: (بأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه) وهو الرأي الذي كان يفتي به كبار السلفيين في المملكة، من أمثال الشيخين ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله. يقول ابن كثير في التفسير: (وقد استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكى مقرراً ولم ينسخ كما هو المشهور عن الجمهور وكما حكاه الشيخ ابو إسحاق الأسفراييني عن نص الشافعي وأكثر الأصحاب). لذلك فإن تساؤل الدكتور الدخيل: (ما علاقة هذه القصة باحتلال العراق، وبشرعية الحكومة المؤقتة فيه، المفروضة بواسطة قوات الاحتلال؟ فالنبي يوسف عليه السلام هو الذي ذهب الى مصر، وهو الذي طلب من فرعون منصب الولاية على خزائن مصر. ومصر لم تكن بلداً مسلماً، أو حنيفياً يرزح تحت الاحتلال الفرعوني)، هو تساؤل يدل على أن الدكتور الدخيل قد أقحم نفسه في قضايا فقهية أصولية، لا يملك أصلاً أدواتها. فلسان حال الشيخ العبيكان (كفقيه) كان ينطلق من قاعدة أصولية مؤداها، كما يقول صاحب المغني: (أننا نحتج بعموم اللفظ من غير النظر إلى خصوص السبب)، وفي هذا السياق، وتأكيداً لما أقول، أورد هنا ما نقله صاحب فتح القدير بأن ابن كثير: (قد استدل بهذه الآية على أنه يجوز تولي الأعمال من جهة السلطان الجائر بل (الكافر) لمن وثق من نفسه بالقيام بالحق)، وقد أورد الشيخ العبيكان في مقالاته عن العز بن عبدالسلام قوله: (ولو استولى الكفار على اقليم عظيم، فولوا القضاء لمن يقوم بمصالح المسلمين العامة، فالذي يظهر انفاذ ذلك كله، جلباً للمصالح العامة، ودرءاً للمفاسد الشاملة، اذ يبعد عن رحمة الشارع ورعايته لمصالح عباده، تعطيل المصالح العامة، وتحمل المفاسد الشاملة لفوات كمال فيمن يتعاطى توليتها لمن هو أهل لها). ولا أدري هل سيقول دكتورنا الفاضل إن الإمام العز بن عبدالسلام الذي قال هذا القول هو الآخر كان (يوظف هذه الآلية لتبرير احتلال بلد عربي مسلم) كما جاء في المقال؟!

كما أورد الدكتور الدخيل في مقاله طامة كبرى حين قال: (كان على الشيخ أن يأتينا بمثال مشابه للحالة العراقية، ومن التاريخ الإسلامي، مثال حصل فعلياً وليس افتراضياً. ثم أليس للبون التاريخي الشاسع، والذي يمتد لآلاف السنين، بين الحالة العراقية وحالة النبي يوسف عليه السلام أية أهمية أو دلالة هنا؟ إن اللجوء الى هذا المثال البائس (!!) لدليل على أن الشيخ لم يستطع (!!) أن يجد مثالاً أجدى وأنفع، وأكثر راهنية من ذلك).

وغني عن القول أن الدكتور الدخيل هنا يمعن في إبراز قصوره في علم أصول الفقه، الذي عليه يعتمد الشيخ العبيكان (كفقيه) عندما يطلق مثل هذه الأحكام. فالنص القرآني عند الفقهاء هو نص لا متناهي، بمعنى لا علاقة له بالزمان والمكان، وهو المصدر الأول من مصادر الأحكام الشرعية، وقصة يوسف تعتبر دليلاً شرعياً وليست مجرد قصة تاريخية حدثت منذ آلاف السنين كما يقول الدكتور! فالنصوص لا تتغير بتغير الزمان والمكان، ولكن الذي يتغير بتغيرها هو (الفتوى). هذا هو ما فات الدكتور الدخيل عندما (قارن) فتوى الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن (في وقت الدولة السعودية الثانية)، بخصوص عدم جواز الاستعانة بالمشركين عند الحاجة، بالحالة العراقية الراهنة، على اعتبار أنها صورة (مماثلة) لما هو عليه الوضع في العراق. وغني عن القول إنها مقارنة مع وجود الفارق كما يقول الأصوليون. والدليل على ذلك أن الشيخين ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله، وهما من كبار رموز السلفيين في الزمان الحاضر - بل انهما يعتبران امتداد هذه المدرسة التاريخي الطبيعي - قد أفتيا بجواز استعانة المسلمين بالكفار في حرب الخليج، وشاركهما في هذه الفتوى كبار العلماء في تلك الأيام، وتعليل ذلك أن الفتوى تتغير وتختلف بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد كما يقول ابن القيم في (إعلام الموقعين)، وهو ما أكدته مجلة "الأحكام العدلية" أيضاً: (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان)، وكذلك ما ورد في "مطالب أولي النهي"، وفي غيره من المصادر. وفي ذلك يقول ابن القيم بخصوص تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان: (هذا فصل عظيم النفع جداً وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم ان الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد). ومن المعلوم أن الإمام الشافعي كان له مذهب قديم في العراق، وآخر جديد عندما انتقل إلى مصر، ولا أجد حاجة للتذكير بالقاعدة الشرعية التي تقول: أينما كانت المصلحة فثم شرع الله.

ومن الغرائب التي وجدتها في مقال الدكتور الدخيل قوله: (أليس هناك ما يجب قوله عن مسؤولية الدول العربية لما آل إليه الوضع في العراق، وفي فلسطين مثلا). حقيقة لا أدري ما هي النقطة التي يريد الدكتور الدخيل أن يوصلنا لها هنا، وما دخل فتوى الشيخ العبيكان في هذه القضية أصلا، طالما أن الدكتور الدخيل يتعامل معها كقضية (أصول فقه) كما هي في سياق مقاله.

حسب تقديري، فإن فهم الشيخ عبدالمحسن العبيكان للحالة العراقية، والظروف السياسية في المنطقة، بالإضافة لعلمه الديني المتميز، والذي لا يجادل فيه أحد، سواء كانوا موافقين أو معارضين لاطروحاته، هو ما جعله يتصدى، وبكل اقتدار وتمكن للفتوى بخصوص المقاومة في العراق. (وقد ساند سماحة المفتي العام فتوى الشيخ عبدالمحسن العبيكان كما هو معروف). وغني عن القول في هذا الصدد، وبعيداً عن الشعارات والديماغوجيا، أن تطور الأحداث قد أثبت بالفعل أن تطبيق ما جاء في فتاوى الشيخ، كان سيكفل مزيداً من الاستقرار والسلام في العراق، بينما كانت فتاوى المعارضين للشيخ بمثابة الزيت الذي يُسكب على النار فيزيدها اشتعالاً، ويضيف إلى الدمار دماراً جديداً، وهذه "الفلوجة" تشهد على ما أقول. إضافة إلى ذلك فإن درس أفغانستان والعراق يجب ألا يمرا مرور الكرام على الذاكرة. وكما نعلم جميعاً، فإن من القواعد الشرعية أن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، وإذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما، ودرء المفاسد - عند الفقهاء - مقدم على جلب المنافع. ويحدثنا ابن القيم عن ابن تيمية أنه قال: (مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر فأنكر عليهم من كان معي فأنكرت عليه وقلت له إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله و عن الصلاة وهؤلاء يصدهم ا لخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم)، وهكذا هو الوضع في العراق لو كانوا يعلمون، فالضرر الأخف في الوجود الأمريكي المؤقت هناك، لا يعادل بالضرر الأشد المتمثل بزيادة وتيرة القتل والتفجير والتدمير وزيادة مدة الاحتلال، في حال استمر البعض بأعمال المقاومة الارهابية اللا مسؤولة والمعارضة لتوجهات الحكومة العراقية المؤقتة، ومصالح الشعب العراقي.

بقي أن أقول، إنه ورغم استغرابي مما كتبه الدكتور واختلافي مع ما ورد في مقاله، والذي ربما يُفهم منه أنه دعم غير مباشر لبيان الـ 26والذي كان سبب اصداره الرئيسي - كما يقول المتابعون - هو الرد على الشيخ عبدالمحسن العبيكان - غير أني ايضاً لا أخفي تقديري الشخصي لقيمة الدكتور خالد الدخيل الثقافية والفكرية والأكاديمية، رغم الاختلاف، وقديماً قيل: اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية. ولكم تمنيت لو أن الدكتور خالد الدخيل كتب رأيه في فتاوى الشيخ العبيكان ومقالاته من النواحي السياسية والفكرية والثقافية، ولم يدخل معه في النقاش بالتفاصيل الفقهية والشرعية، فلو فعل ذلك لكان اقوى لحجته وتسلسل منطقه، ولكفى نفسه وعلمه وتخصصه ان يظهر بهذا المظهر الذي لا نرضاه له، حتى وان ارتضاه لنفسه.