كنا في أعالي الجبال كلما رأينا ناراً في أودية تهامة مددنا أيدينا بحثاً عن الدفء. وكنا نعرف عطر كل امرأة في الجبال، أو نعرف كل امرأة من عطرها. وحين تصعد امرأة من تهامة يصيبنا عطرها ب "فوضى الحواس".

كانوا يستسقون في الأودية فنتحول بدورنا إلى أمطار. كانت الأرض عطراً وغناءً ونساء.

تذكرت تلك الحياة التي وئدت. تذكرتها في باريس قبل أسابيع. جاء الشاعر محمد حبيبي من جازان، جاء بغواية المكان.. وبصوت الناي الذي أبدعه دعشوش حسن. جاءت جازان الفارهة بالطرب والحب والحياة.

جاء محمد بدعوة من المركز الثقافي المصري. وبترتيب من صديق يمني جمعتهما الإنترنت.

في تلك الليلة. تذكرت حكاية امرأة من الجنوب. رافقت ابنها إلى العاصمة. ظلت ثلاثين عاماً بدون أن تغني أو تسمع غناء جنوبياً. وذات يوم جلب لها ابنها شريطاً ألهمها الحياة.

بدأت تغني بصوت خفيض داخل البيت، ثم ارتفع الصوت قليلاً ويوماً غنت في فناء البيت. اتهمها الجيران بالجنون والجنوب. وأمام إلحاح الجيران - هرب بها ابنها إلى الديرة. وهناك غنت واغتنت بالأمطار والورود.

في تلك الليلة الجازانية قال لنا محمد حبيبي بعض أساطير تهامة:

"مَن يدفن سرّته في الحقل سيظل عشيقاً للأرض

من يشرب من أول سيل الوادي شاعر

من يتسمَّ باسم أبيه لا يخطفه الموت صغيراً

ومن يمسك بالثعبان الأقرن نال الجوهرة المبروكة".

في تلك الليلة استطاع الشاعر أن يحيل الناس والأرض إلى قصيدة. لا يرى المشاهد إلا شعراً. ولا يسمع إلا شعراً، في كل لحظة أكثر من شعر وأكثر من صوت. من دعشوش ونايه الحزين إلى أغاني الناس في الحقول وأصوات العصافير وصوت محمد حبيبي.

في غواية المكان، تبعنا الشاعر والغواية. شممنا رائحة الوطن والأهل.

في غواية المكان أكثر من جازان. وأكثر من الشعر.