مما يحمد لمعارض الكتب التي تقام في بلادنا العربية أنها تمكّن الباحث والكاتب من العثور على عدد كبير من الكتب التي لا يعلم عنها شيئا لاسيما في المجالات التي تتعلق بتخصصه وتمس اهتماماته على نحو مباشر، ومن تلك الكتب دراسة جريئة وجادة لباحثة مصرية نالت بها درجة الماجستير في علم الاجتماع بعنوان: تزييف وعي الشباب والدعاة الجدد. وهي دراسة ميدانية لعينة من طلاب وطالبات بعض الجامعات المصرية، تهدف إلى استطلاع خصائص الوعي الديني لدى الشباب الجامعي، من حيث مضامينه المعرفية والسلوكية، ومصادر تلك المعارف ومؤثراتها، وعلاقة ذلك بالوعي السياسي والاقتصادي والثقافي.

تأتي هذه الدراسة في الوقت الذي تعاني فيه الأمة العربية برمتها موجة من التطرف والتشدد الديني، تلك التي أفضت في بعض صورها إلى موجة أخرى من الإرهاب المنظم والمؤسس الذي قام على صناعته عرب ومسلمون متطرفون أشاعوه في العالم كله، حتى صار الإسلام في نظر الآخرين رمزاً للإرهاب والتطرف!

أصبحت القضايا الدينية في الآونة الأخيرة مثار اهتمام عالمي، خاصة على المستوى السياسي والثقافي، نتيجة للتغيرات العالمية المعاصرة، التي صاحب فيها الوعي الديني لبعض الشباب حركات وتنظيمات دينية باتت تهدد النظام العالمي وتسعى لتغيير الموازين، وفرض رؤاها من خلال ما يسمى بالعنف الديني، فقد تجاوز تأثير تلك الجماعات والحركات، التصرفات الفردية إلى الجماعية نحو السعي إلى التأثير في النظم السياسية والاجتماعية، وتهديد الأمن الاجتماعي، كما امتد التوجه الديني المتشدد إلى المجال الاجتماعي وأدوار المرأة! وقد لمسنا جميعا تزايد بعض منتجات تلك الظاهرة مثل أشرطة الكاسيت والمطويات التي تعتمد على الترهيب وتتضمن أفكاراً تناهض الفكر العلمي وتعيق التنمية وتكرس الفكر الخرافي، كذلك برزت ظاهرة الدعاة الجدد الذين خرجوا على النمط التقليدي للداعية في لغة الحوار وأسلوبه وفضائه، مما جعلهم يحتلون مساحة واسعة في الخطاب الإعلامي الديني، وقد استطاع هذا التوجه الديني المتشدد أن يستقطب جموعا غفيرة من الشباب في السنوات الأخيرة، الشباب الذين هم الفئة الاجتماعية الأكثر حيوية وحركة ورغبة في تأكيد الذات، والأكثر تأثيراً في مستقبل المجتمع وتشكيله، علاوة على أنهم القوة المحركة للتنمية والقادرة على التغيير داخل المجتمع. ولا شك أن انخفاض المستويات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية للأفراد تساهم في سرعة تقبلهم واعتقادهم بمصداقية الدعاة الدينيين وكثرة متابعتهم لبرامجهم التليفزيونية واقتناء لمؤلفاتهم!!!

قامت الدراسة على النظرية النقدية (مدرسة فرانكفورت)؛ التي اعتمدت أسلوبا من التفكير ارتبط أساسا بما صار يعرف بالنظرية النقدية، وتنطلق هذه النظرية من فكرة تقول: إن هناك شيئا إنسانيا في جوهره، وهو قدرة البشر على العمل يداً بيد لتحويل بيئتهم للأفضل، وهذه الفكرة تزودنا بمعيار نقيّم بواسطته المجتمعات القائمة وننقدها، فالمجتمعات التي تقطّع أوصال علاقاتنا الاجتماعية والتي تمنعنا بشكل أو بآخر من التعاون معا، وتسلبنا القدرة على الاختيار واتخاذ القرارات بالتعاون مع بعضنا البعض، تلك المجتمعات يمكن أن نخضعها لنقد منظم يؤكد أنها مجتمعات قمعية وغير حرة.

وقد ميزت هذه النظرية بين نوعين من الوعي: الوعي الحقيقي، والوعي الزائف كمفهومين مجردين، فالوعي الحقيقي يعني:

قدرة العقل على إدراك الأمور إدراكاً حراً مستمداً من تجاربه الذاتية، ورؤيته للمصلحة التي تحقق إنسانيته وحريته ورغباته الحقيقية، وليست تلك المصالح المرتبطة بالحاجات الآنية الجزئية. وتؤكد النظرية أن لدى الفرد القدرة على الوصول لهذا الوعي من خلال حركة دءوبة مستمرة للعقل في نقده للمجتمع على أسس علمية، وفي ضوء المصالح المشتركة.

والوعي الزائف يعني:

إدراك الفرد للمصلحة من خلال العقل الذي يتعامل مع الأفراد والعلاقات كأدوات لتحقيق المصالح التي يروج لها الفكر السائد. وعلى هذا فالتعريف يشير إلى أن النقطة الأساسية التي تميز بين الوعي الحقيقي، والوعي الزائف هي القدرة النقدية للشخص التي تمكنه من إعادة صوغ حياته، ومجتمعه. والجدل هنا وسيلة للإدراك والفهم الذي يتجاوز الآني، ويدرك الآتي والمشترك مع من هم في مثل ظروفه الاقتصادية والاجتماعية، فيصل للوعي الحقيقي. في حين أن الوعي الزائف وعي تبريري له مصالح مباشرة، وعي يفتقد الرؤية النقدية، وله تصور جزئي ومشوّه ومغلوط للواقع المحيط، فهو بمثابة صورة ذهنية مشوّهة يرسمها الفرد للواقع الموضوعي، من خلال إدراكه وتصوره المستمد من عقله ووجدانه. وتبعا لما سبق فإنه يمكن التفريق بين الوعي الديني الحقيقي، والوعي الديني الزائف كمفهومين مجردين، فيكون الوعي الديني الحقيقي:

قدرة العقل الإنساني على إدراك المعارف الدينية وفقاً لرؤية شمولية كلية تربط الجزء بالكل ولا تعزله عن سياقه التاريخي، وبما يتسق وتحقيق مصالح القوة المجتمعية والفردية وفقاً لمقتضيات العصر، وبما لا يخالف المبادئ الأساسية في التراث الديني، وليس وفقاً لرؤية مؤسسات رسمية، سواء أكانت دينية أم ثقافية أم إعلامية أم غيرها، أو لرؤية خطاب ديني غير رسمي، سواء أكان مغرضاً أم غير مغرض. فالمسلم "خليفة الله على الأرض" وهو مطالب بإعمال العقل والتفكر بحسب ما جاء في الكثير من آيات القرآن الكريم. وهو ليس مجرد متلقٍ لفهم النصوص الدينية كيفما تصدر له وتأويلها.

أما الوعي الديني الزائف فيخص العقل الإنساني الذي يقبل ما يُقدم له من معارف، وما يُدرب عليه من قيم وما يُفرض عليه من أفكار دينية اجتهادية دون غربلتها، وبمعزل عن فهمها في سياقها التاريخي، ووفق رؤية شمولية كلية تضع في حسبانها المصلحة الحقيقية للفرد والمجتمع. وكلما كانت المعارف الدينية غير دقيقة وجزئية وآنية، اقتربت من التشويه الذي يُفضي إلى تشويه فهم الشخص للدين ووعيه به. وهذا ما يمارسه بعض الدعاة الجدد في الراهن العربي الإسلامي.

وقد أوجدت مناهج التعليم في البلاد العربية والإسلامية فئتين من المواطنين ذوي ثقافتين متباينتين إحداهما دينية، قديمة في تفكيرها وأسلوبها عقيمة في طريقتها، منعزلة عن الحياة وإلى هذه الثقافة ينتمي بعض الدعاة، والأخرى مدنية، غنية في تفكيرها، وجديدة في أسلوبها، متصلة بالحياة ومشكلاتها، ممسكة بزمام التوجيه الفكري والاجتماعي والسياسي.

ولم يكن هذا الانفصام الثقافي ماثلاً في عصور الإسلام الزاهرة، حيث كان عالم الإسلام يتعامل خلال تجربته الثرية مع ثقافة موحدة، ذات تخصصات مختلفة، فابن سينا فيلسوف طبيب، والرازي صيدلاني، وابن الهيثم عالم فيزياء وبصريات، والغزالي صوفي متكلم، والإدريسي جغرافي، وغيرهم.

وقد أسهم المناخ الثقافي العام في بلداننا في تخريج أجيال من الدعاة قليلي المعرفة بأمور الدنيا، ومعرفتهم بالدين لا تتجاوز القشور أو الفتات، ومن ثم فهم الذين يمثلون خطراً على تشكيل الوعي الديني لأفراد المجتمع، وخاصة الشباب.

و يمكننا هنا أن نجمل أهم أساليب تزييف الوعي التي تنسحب - بالضرورة - على الوعي الديني على النحو التالي:

1تشويه الواقع وتجزئته، والتجزئة أسلوب شائع في تزييف الوعي وينطوي أيضاً على تجزيء المعارف أو حجب بعضها في المناهج والإعلام.

2الهروب من المشكلات الحقيقية والجوهرية، وإيهام المتلقي بأن ما حققته شعوب أخرى ليس مقياساً للتفوق وأن ما يعيش فيه أفضل، وما كان يعيش فيه السلف هو الأفضل، وأن أي تغيير غير محمود العواقب.

3إلقاء اللوم على الناس بإرجاع ما يعانونه من مشكلات إلى ذنوبهم، فالزلازل والفيضانات سببها غضب الله عليهم.

4التناقض بين بعض المواقف، والمعلومات، وتجاهل التفسيرات العقلانية وطرح البدائل.

أما النتائج التي توصلت إليها الباحثة فمنها: أن وعي طلاب الجامعات في مجمله في ضوء التأويل النقدي وعي جزئي نصي آني اجتماعي، مفتقد للرؤية الكلية التاريخية والقدرة النقدية التأويلية ومن ثم فهو وعي زائف، فلقد جاءت المعارف الدينية لغالبية المبحوثين غير دقيقة، ولا تربط القضية بسياقها التاريخي، ولا تسعى لتأويلها في ضوء مستجدات العصر. إضافة إلى أنها معارف تكرس الفكر الغيبي والخرافي، وبعض هذه المعارف تعيق تنمية الفرد والمجتمع، حيث يسود الابتعاد عن التفكير العلمي الذي يربط السبب بالنتيجة، فهم يُرجعون الفقر إلى أسباب قدَرية وليس إلى السياسات الاقتصادية الفاشلة!كما لم يُعملوا عقولهم في سبب تحريم النحت الذي كان بسبب القضاء على كل أثر للوثنية وعبادة الأصنام، مما لا ينطبق على النحت في العصر الحاضر، وأن تحريم الأكل بآنية الذهب والفضة ليس لذات الذهب والفضة ولكنه منعاً للتفاخر مما يجعل القاعدة تنسحب على كل ما يؤدي اقتناؤه إلى ذلك، علاوة على أن الوعي الديني لديهم وعي منغلق على الذات وغير منفتح على الآخر رافض للحوار معه. أما التراث فيعتبرونه غاية وليس وسيلة لمعرفة تقدم الشعوب، كذلك تقديسهم نصوص التراث الفقهي وإنزالها منزلة القرآن

وأخيراً تأمل الباحثة بأن توضع حلول جذرية لأزمة تزييف الوعي لدى الشباب، إذ عافية العقل هي وحدها القادرة على مواجهة ظلامية الجهل.