• لا أعتقد بأن أحداً من منسوبي جهاز الأمن قد أُجبر على الانخراط في خدمة الأمن تلك المهمة الشاقة والحساسة بل أن جميعهم قد التحقوا بهذا الجهاز وغيره من الأجهزة عن قناعة ورضى بل إن البعض منهم إن لم يكن معظمهم قد حصل على وظيفته تلك بعد بحث مضن عن شفاعات ووساطات ساهمت في توظيفه وما أن تمكن وحصل على ما يريد إلاّ واختلفت المفاهيم الصحيحة لأداء المهام الموكولة إليه فبدلاً من القاعدة الشهيرة (الشرطة في خدمة الشعب) أصبحت الخدمة المأمولة منه عبئاً عليه فكلمة (خدمة) المجردة تثير في نفسه نوع من الترفع فهو الآمر الناهي صاحب الصلاحيات والسلطات المطلقة حسب مفهومه..!!!

حسناً حتى أحصر حديثي على ما أريد قوله هنا سأعرج على تساؤل الكثير من الناس في إشكالية من يترجل للآخر حين يستوقف رجل الأمن قائد سيارة ما على الطريق..؟؟ جهاز الأمن العام على لسان مسؤوليه يؤكد على أن رجل الدورية الأمنية هو من ينزل من برجه العاجي (سيارته) إلى الناس وأن هذا جزء من واجبه بل حماية له من الأخطار ولكن الواقع يقول غير ذلك تماماً فرجل الأمن وبكل كبرياء (يأمر) سائق السيارة بالنزول إليه وإحضار أوراقه ولو قيل غير ذلك فهو العبث بعينه وجدل سيطول إلى ما لا نهاية..!!!

قال لي أحد الاخوة أنه كان عائداً لمنزله ليلاً فاستوقفته إحدى دوريات الأمن وطلب منه آمر الدورية النزول فما كان من صاحبي إلاّ المكوث في سيارته انتظاراً لنزول رجل الأمن إليه حسب ما قيل له عبر أجهزة الإعلام ولكن رجل الأمن لم يأت وحين طال بصاحبنا الانتظار واصل سيره فإذا بالدورية الأولى تستنجد بأخرى لتحاصره من الأمام والأخرى من الخلف فخاف من عاقبة الأمور فنزل إليهم مستفسراً عما يريدن وفوجئ حين عنّفه أحد أفراد الدورية بسبب عدم نزوله وحذره من عدم تكرار ذلك وحين حاول افهامهم أن التعليمات تنص على أن عليهم أن يترجلوا هم عنفوه مرة أخرى (وتكرموا) بعد ذلك بالسماح له بمواصلة سيره..!!!

يشدد الدكتور إبراهيم زيد الكيلاني في ورقته المعنونة بـ "القيم الأخلاقية لرجل الأمن بين حقوق الفرد ومصلحة المجتمع" على أنه بجانب الحزم والعدل واليقظة التي لابد من توافرها في الأجهزة الأمنية فإن الصورة الأخرى لتعامل رجل الأمن مع الناس تتطلب منه أن يتحلى بقيم الصدق والتقدير لكرامة المواطن والمقيم وعدم الاستخفاف به ومد يد العون والنصرة للضعيف والمظلوم غنياً كان أو فقيراً وجيهاً أو محروماً وحين يملك رجل الأمن هذه المبادئ وهذا الشعور الصادق أنه في خدمة الشعب لتوفير أمنه وحماية حياته وحفظه كرامته وماله وعرضه وحقه فإنه يملك قلوب الناس ومحبتهم أما إذا نسي ذلك ورأى لنفسه مكانة فوق الناس وجفا عنهم بخلقه وطغى بمعاملته وقسوته وأصبح في عيون الناس سوط عذاب وأداة نقمة وظلم وتنكيل عزل السلطة عن الشعب والقاعدة عن القيادة وتحول المجتمع إلى أسباب ضعف وتآكل من الداخل وفتح الباب لأعداء الأمة أن ينقدوا ويستغلوا ويمكروا مما يهدر قوة الأمة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية ويقطع أوصالها..!!!

حملت شكوى الناس لرجل زاملته ابان عملي في المرور اللواء حسان عبدالله الغاطي وهو الرجل الذي عاصر تاريخ الأمن العام الحديث منذ كان ملازماً في قسم شرطة وتدرج في مختلف التخصصات حتى وصل إلى أحد أكبر المراكز القيادية في الأمن العام في الوقت الحالي فأكد لي أن التعليمات تشدد على نزول رجل الدورية للمواطن وان ما يحدث من تجاوزات مردها إلى فرد الدورية نفسه لا إلى تعليمات الجهاز وبيّن ما يقوم به جهاز الأمن العام من تطورات وتحديث لبرامج تدريب رجال الأمن العام.

في الخاتمة أقول والله لو تحلفون لنا بأن رجل الدورية هو من ينزل للسائق فإننا لن نكذبكم ولكننا نؤكد لكم في نفس الوقت وحسب تجاربنا مع رجالكم أننا من يأتي صاغرين نحو أفرادكم الذين يقبعون في سياراتهم وذلك درءاً لاتساع الفجوة بيننا وبين من يفترض فيهم أنهم (خدم للشعب)،،،