• في زيارته الأخيرة للعاصمة التركية، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون بأن تركيا وإسرائيل ستبذلان قصارى الجهود لتعزيز التعاون بينهما في المجالات الاقتصادية والفنية والعلمية والثقافية، بيد انه تجنب الخوض في العلاقات العسكرية، الاستراتيجية الطابع، القائمة بين الدولتين.

بيد ان وزير الدفاع الإسرائيلي بنيامين بن اليعازر كان قد أكد خلال زيارته لأنقرة في تموز يوليو الماضي ان مباحثاته مع المسؤولين الأتراك هدفت الى تدعيم برامج التعاون الأمني والعسكري المشترك التي شهدت في الفترة الأخيرة نمواً كمياً ونوعياً.

وقد أتت زيارة بن اليعازر لأنقرة بعد مناورات جوية مشتركة بين إسرائيل وتركيا والولايات المتحدة في منطقة قونيا وسط تركيا.

ويؤكد تنامي العلاقات التركية الإسرائيلية، على الرغم من التوترات التي تشهدها المنطقة، الناجمة عن العدوان الإسرائيلي المستمر ضد الشعب الفلسطيني، على أهمية هذه العلاقة لكل من تركيا وإسرائيل.

انها فعلاً واحدة من العلاقات المحيرة في منطقة الشرق الأوسط منذ الحرب الباردة، وعلى الرغم من إعلان البلدين أن العلاقة بينهما لا تصل الى حد التحالف الاستراتيجي، إلا أنها تصل الى ذلك دون أدنى شك.

وعلى خلاف الحال إبان الحرب الباردة، يندر أن توجد حالياً دول تتعاون عسكرياً وتقرر في هذا الإطار "أن هذا التعاون موجه ضد طرف أو أطراف معينة" فعادة ما يتم ارساء آليات عسكرية "محايدة" الى حد ما، ولكن في وقت الضرورة يمكن أن تستخدم في إطار التوجهات الدفاعية ـ الاستراتيجية المستقرة اصلاً لدى البلدين، مع التركيز عندئذ على ما هو مشترك من هذه التوجهات. والواضح أن مساحة الالتقاء والاتفاق بين التوجهات الإسرائيلية والتركية كبيرة، ضمن المعطيات الشرق أوسطية الراهنة.

ولقد تمتعت تركيا بدور أساسي ومهم أثناء الحرب الباردة؛ بسبب موقعها الاستراتيجي، حيث تشرف على مضيق البوسفور الذي يربط البحر الأسود بالبحر الأبيض المتوسط، وبذلك تسيطر على المدخل الجنوبي لسواحل جمهوريات الاتحاد السوفياتي.

بيد أن أنقرة فقدت دورها الاستراتيجي واهتمام حلف شمال الأطلسي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، إلا أنها تمكنت من استعادة قسم من مكانتها لدى واشنطن بعد حرب الخليج الثانية، وذلك لمساهمتها في فرض الحظر الجوي على العراق عن طريق تقديم قواعدها الجوية للطائرات الأمريكية والبريطانية. كذلك، استغلت أنقرة الموقف الغربي من إيران للتسويق لدور أساسي لها في المنطقة، سعت عبره للحصول على الدعم المالي والاقتصادي والعسكري المطلوب لتعزيز نظامها.

وأخيراً، جاء التحالف التركي ـ الإسرائيلي ليضع تركيا في قلب استراتيجية واشنطن الشرق أوسطية.

ولقد دفع المتغير الأخير كلاً من اليونان وقبرص للاتجاه لمد جسور التعاون العسكري مع إسرائيل بهدف موازنة الاتفاقات العسكرية الموقعة بين هذه الأخيرة وتركيا، وقال وزير الدفاع القبرصي سقراط هاسيكسو ان قبرص واسرائيل تستعدان للتوقيع على اتفاقية للتعاون العسكري بينهما. بيد انه من الواضح تماما ان لا أثينا ولا نيقوسيا قادرة على لعب الدور الذي يمكن أن تضطلع به تركيا في اطار الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. كذلك، فإن التحالف التركي الإسرائيلي ينهض بوظيفة أخرى في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز، حيث صراع النفوذ على اشده بين واشنطن وموسكو.

لقد دخلت العلاقات التركية ـ الإسرائيلية مرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي مع توقيع الدولتين اتفاقاً للتعاون العسكري في الثالث والعشرين من شباط/فبراير من العام 1996، وما تلاه من اتفاقيات مكملة له.

وهناك بالفعل اختلاف بين التعاون العسكري والتعاون الدفاعي ـ الاستراتيجي، بيد أن التعاون العسكري المكثف يتضمن في الوقت نفسه دلالات استراتيجية، وهو ينطبق على اتفاق التعاون العسكري التركي ـ الإسرائيلي الذي يشتمل على بند يتعلق بالمشاورات ذات الطابع الدفاعي "اشير اليه بإنشاء منتدى أمني للحوار الاستراتيجي بين الدولتين" طبقاً لبيان لوزارة الدفاع الإسرائيلية صادر في الثامن عشر من آذار/مارس من العام

1996.ويهدف المنتدى المذكور الى رصد الأخطار المشتركة التي تهدد أمن البلدين وإقامة آلية مشتركة لمواجهة هذه الأخطار. وبطبيعة الحال، فإن الإشارات الإسرائيلية التركية ترتبط أساساً بسوريا، وكذلك بالعراق وإيران. ويتأكد ذلك بالنظر الى بند آخر في الاتفاق العسكري ينص على "أن الحوار الاستراتيجي بين البلدين يمتد نشاطه ليشمل مجالات تتعلق بأنشطة الاستخبارات وإقامة أجهزة تنصت في تركيا لرصد أي تحركات عسكرية في سوريا وإيران وجمع المعلومات عنهما".

وكانت إذاعة الجيش الإسرائيلي قد ذكرت في العاشر من نيسان/ابريل 1996"بأن تركيا بموجب اتفاقها العسكري مع إسرائيل قبلت تقديم تسهيلات للأخيرة تستطيع بموجبها نصب أجهزة تنصت في أراضيها لرصد أي تحركات عسكرية في المنطقة، خصوصاً من جانب سوريا، مما سيمكن الاستخبارات الإسرائيلية من القيام بأعمال التجسس وجمع المعلومات، ولاسيما عن طريق التنصت الإلكتروني على سوريا وإيران من داخل تركيا، بينما ستساعد إسرائيل تركيا في اقامة تجهيزات الكترونية على حدودها مع سوريا والعراق وإيران".

وقد يصعب فصل الاتفاق العسكري التركي ـ الإسرائيلي عن الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة وسعيها خصوصاً في إطار التحالف الاستراتيجي الأمريكي ـ الإسرائيلي الى رسم نمط معين من الترتيبات الأمنية الاقليمية. ويلاحظ في هذا السياق ان واشنطن تبدو فعلياً كطرف في هذا الاتفاق، بحكم علاقاتها الوثيقة مع كل من إسرائيل وتركيا، ودعمها السياسي ـ وربما أيضاً المالي غير المعلن ـ لهذا الاتفاق. وقد اتخذت واشنطن بعد فترة قصيرة من إعلان هذا الاتفاق خطوات فعلية استهدفت تدعيم طرفيه، وخصوصاً إسرائيل التي وقعت معها اتفاقاً جديداً للتعاون الاستراتيجي في الثامن والعشرين من نيسان ابريل

1996.إن للاتفاق الاستراتيجي الأمريكي ـ الإسرائيلي علاقة معينة بالاتفاق العسكري التركي ـ الإسرائيلي وبعلاقات واشنطن بطرفيه، وتظهر هذه الارتباطات في حقيقة ان واشنطن بموجب اتفاقها الاستراتيجي مع إسرائيل تلتزم "بالسعي لكي تحقق إسرائيل متطلباتها الدفاعية كافة في إطار وضع مماثل تماماً لدول حلف الناتو، وبالسعي لقيام علاقات عسكرية وثيقة بين إسرائيل وباقي دول الناتو" وليس المرء في حاجة للتذكير بأهمية تركيا للجناح الجنوبي ـ الشرقي للناتو".

وقد جرت منتصف هذا العام مناورات جوية تركية ـ إسرائيلية ـ أمريكية مشتركة في منطقة قونية (وسط الأناضول)، أثارت ردود فعل واسعة بين سكان المنطقة اتسمت بمعارضة شديدة لها.

وكانت مختلف أنواع الطائرات الحربية قد شاركت في تلك المناورات، علماً بأنها المناورات الجوية الأولى التي تشارك فيها طائرات إسرائيلية الى جانب الطائرات التركية، رغم أن إسرائيل ليست عضواً في الناتو الذي يجمع الولايات المتحدة مع تركيا.

وتخطط الدول الثلاث ـ فيما يبدو محوراً عسكرياً متمماً لحلف الناتو في منطقة الشرق الأوسط ـ لإجراء مناورات برية مشتركة قبل نهاية العالم الحالي داخل الأراضي التركية.

وكانت القوات التركية والإسرائيلية قد أجرت في أيار/مايو الماضي مناورات بحرية مشتركة قبالة مدينة مرمرة التركية على البحر الأبيض المتوسط، ولم يتم الإعلان عن هذه المناورات رسمياً، وقد شاركت في تلك المناورات ثلاث سفن حربية وطائرات عمودية. ولم يتضح ما إذا كانت تلك المناورات تدريباً على عمليات عسكرية أم على عمليات الإنقاذ البحري. ولم تشارك في تلك المناورات القوات الأمريكية، التي سبق وان شاركت في مناورات تركية إسرائيلية بحرية جرت في كانون الثاني/يناير 1998وكانون الأول/ديسمبر

1999.وتكشف بنود اتفاق شباط/فبراير 1996وآليات تنفيذها وما نفذ منها بالفعل، عن حجم التعاون الوثيق بين القوات الجوية التركية والإسرائيلية، حيث يسمح للسلاح الجوي لكلتا الدولتين باستخدام المجال الجوي للدولة الأخرى والقيام بتدريبات مشتركة، كما يسمح للطائرات الإسرائيلية بالوجود في قاعدتين جويتين تركيتين وهما انجيرليك وقونيا، ولا يعني ذلك فقط ان اسرائيل ستتمكن لأول مرة من إحكام قبضتها، على سوريا لتنالها شمالاً وجنوباً، وانما يعني ايضاً تمتعها بحرية حركة واسعة في المنطقة، ارتكازاً على تعدد القواعد داخل أراضيها والأراضي التركية، على نحو يجعل الكثير من الممرات الاستراتيجية في متناول سلاحها الجوي.

في الجانب التسليحي، تسعى تركيا للحصول على موافقة الولايات المتحدة لشراء نظام صواريخ آرو الباليستية الذي تنتجه إسرائيل.

وفي أواخر تموز/يوليو الماضي، اجرى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي شاؤول موفاز محادثات في أنقرة مع نظيره التركي حسين أوغلو ووزير الدفاع صباح الدين جاكماك أوغلو، تناولت دعم التعاون العسكري بين البلدين وتوسيعه بحيث يشمل تصنيع نسخ مطورة من الصاروخ آرو ـ تو.

وركزت المحادثات على سير اتفاقية بيع أسلحة اسرائيلية الى تركيا تتجاوز قيمتها ملياري دولار، ومن بينها تحديث 170دبابة تركية من طراز إم 60، وتصنيع طائرة للتجسس بدون طيار، وبيع صواريخ مضادة للدبابات، وبيع قمر اصطناعي للتجسس، فضلاً عن تصنيع صواريخ آرو ـ تو، التي تنوي اسرائيل نشر بطارياتها وراداراتها في جنوبي شرقي تركيا للتصدي للصواريخ الإيرانية ـ حسب ما هو معلن.

وكانت عدة مشروعات مهمة قد تم الاتفاق عليها أو اقتراحها من جانب إسرائيل في أوقات سابقة، سيما خلال الزيارة التي قام بها لتركيا رئيس الأركان الإسرائيلي السابق امنون شاحاك في تشرين الأول/أكتوبر 1997، ومن هذه المشروعات انتاج مشترك لصواريخ "دلينة" الباليستية الإسرائيلية، وتزويد تركيا بصواريخ جو ـ جو من طرار " 4فايتون" من انتاج مصانع "رافائيل" الإسرائيلية، تقديم مقترحات اسرائيلية تتعلق بالتعاون بين الدولتين في تحديث الطائرات التركية من طراز "اف 5" وانتاج الدبابة "2000" وأنظمة الإنذار المبكر "فالكون".

وتدور منافسة شديدة في الوقت الراهن بين الولايات المتحدة وإسرائيل للفوز بصفقة مع تركيا لتحديث 170دبابة أمريكية الصنع من طراز "M60-A1". ويتوقع أن تؤجل هيئة صناعات الدفاع التركية قرارها النهائي بشأن الصفقة اثر دخول واشنطن المنافسة بعدما كادت اسرائيل تفوز بها.

وترى الولايات المتحدة انها الأولى بهذه الصفقة، وهي قد عرضت ايضاً تحديث مئات أخرى من الدبابات التركية وسارعت بإرسال نموذج لدبابة من هذا الطراز الى تركيا.

وقد قررت هيئة صناعات الدفاع التركية في حزيران/يونيو الماضي اختيار شركة الصناعات العسكرية الإسرائيلية كشركة وحيدة لتنفيذ صفقة التحديث. وقد أثار القرار شكاوى، سواء من جانب شركات محلية تركية أو من جانب شركات خارجية كانت تريد التنافس للفوز بهذه الصفقة التي دخلت المفاوضات بشأنها مراحل شبه نهائية مع اسرائيل.

ويبدو ان تأجيلاً قد يحدث بالنسبة للصفقة مع إسرائيل بسبب عدم حسم موضوع الأسعار بشكل نهائي حتى الآن، بعدما كان من المتوقع أن يتم التوقيع على الصفقة نهاية آب/اغسطس الماضي.

وعلى الرغم من اعتماد الجيش التركي العرض الإسرائيلي فإن مسارعة الشركة الأمريكية المنتجة للدبابة (M60) الى ارسال نموذج الدبابة المحدثة قد يغري أنقرة بإعادة التفكير في جدوى العرض الإسرائيلي، خاصة في ضوء الخلافات بين أنقرة وتل أبيب بشأن قيمة الصفقة.

وكانت إسرائيل قد عرضت تحديث الدبابات مقابل مليار دولار، في حين تعرض تركيا مبلغاً يتراوح بين 350الى 450مليون دولار حسب المواصفات التي ستتم بها عملية التحديث.

ويأتي هذا الخلاف المالي في ظل أوضاع اقتصادية صعبة تمر بها تركيا، لم تسلم من تداعياتها قواتها المسلحة، اذ بدأ الجيش في مراجعة عطاءات قيمتها عشرة مليارات دولار لدعم آلياته العسكرية.

ويتباحث الجيش التركي حالياً مع قاعدة بيل تكسترون الأمريكية حول مبلغ اربعة ملايين دولار هي قيمة عقد شراء مروحيات مقاتلة، بينما تتباحث الحكومة التركية مع شركة بوينغ لشراء ست طائرات ايواكس منها، كما تخطط لشراء ألف دبابة.

وقد تسبب الانخفاض الذي شهدته الليرة التركية مقابل العملات الأجنبية، في موجة من الغلاء في تركيا، مما حدا بالجيش لأن يراجع خططه للعام 2001، وكان من المفترض ان تنفق أنقرة 150مليار دولار في غضون السنوات الخمس والعشرين المقبلة لتطوير امكانيات قواتها المسلحة.

وبغض النظر عن التفاصيل المتشعبة للتعاون الإسرائيلي التركي، وما قد يفرز من تباين في وجهات النظر بين حين وآخر، فإن هذا التعاون يبقى ذا طبيعة استراتيجية، ويبقى دوره مركزيا في السياسية الأمريكية في منطقتي الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. وان كان العرب لا يجدون أنفسهم في موقع محايد تجاه هذا التعاون فإن عليهم الا يستعدوا تركيا كيلا تزداد بعداً عنهم، وان تجربة العقود الثلاثة الماضية قد اوضحت جلياً ان تركيا يمكن أن تكون حليفا قوياً للعرب، متى ادركوا السبيل الأمثل لمخاطبتها والتعامل مع هواجسها المتزايدة.